الشيخ محمد تقي الفقيه

207

قواعد الفقيه

وهذا بظاهره يخالف باب الوضوء ، لأنه يدل على أن الضرر لا يؤثر بوجوده الاعتقادي وإنما يؤثر بوجوده الواقعي ، ويخالف كلا المبنيين في المنفي بلا ضرر ، لأن المنفي فيها إن كان الضرر الواقعي لزم ثبوت الخيار مطلقا ، سواء علم بالغبن أو لم يعلم ، وإن كان المنفي فيها الضرر الاعتقادي لزم ثبوت الخيار إذا علم بالغبن ، وعدم ثبوته إذا لم يعلم به ، فالتمسك بحديث نفي الضرر في باب خيار الغبن لا ينتظم مع التمسك به في الطهارات ، ولا ينتظم في نفسه مع ما افتوا به في خيار الغبن . ويمكن أن يقال أن المنفي بلا ضرر الضرر الواقعي ، ولكن إقدام البائع على البيع في حال علمه بالغبن يرجح لحمل ضرر على إقدامه فيقال : إقدامه على البيع الغبني ضرري ، والإقدام ليس حكما شرعيا فلا يشمله حديث نفي الضرر ، وحمله على اللزوم في هذا الحال ممكن ، ولكن حمله على الإقدام بنظر العرف أولى من حمله على اللزوم ، لأنهم يرونه هو أضر نفسه لا أن الشارع أضره . وأما في حال الجهل بالغبن فإن الضرر إنما ينشأ من لزوم المعاملة فيقال : لزوم البيع الغبني مع الجهل به ضرري . فالضرر حينئذ عنوان محمول على اللزوم متحد معه كالقيام للتعظيم . واللزوم حكم شرعي وضعي يرتفع بالحديث لفرض أنه ينفي الحكم المسبب للضرر واقعا لا اعتقادا . إن قلت : لم كان الاقدام على البيع الغبني مخرجا لمورده عن القاعدة ، ولم يكن الاقدام على الوضوء الضرري كذلك ؟ قلت : أولا أن رفع الضرر في باب البيع تدارك لحق المغبون ، وباقدامه يكون قد اسقط حقه ، وأما رفعه في باب الطهارة فهو حكم تعبدي ارفاقي . والحكم لا يسقط باسقاط المكلف به له ، بخلاف الحق . وثانيا أن الضرر في كل من البيع والطهارة ناشئ عن فعل المكلف بالنظر البدوي ، ولكنه في البيع يكون عنوانا للاقدام ، ومحمولا عليه وأما في الطهارة فإن الضرر يكون عنوانا للحكم الشرعي اعني الوجوب ، فإنه لو لم يجب الوضوء لم يغسل العضو ، ولو لم يغسل لم يتضرر ، فالضرر تصح نسبته للوجوب وتصح نسبته للغسل . ولكن العرف يرى أن احمل المعلول على أسبق علله في مثل الفرض أولى من حمله على أقربها ، ويكون حينئذ ظاهرا فيه .