الشيخ محمد تقي الفقيه
151
قواعد الفقيه
فحملت جذوة منها وأحرقت زرعا أو حطبا أو غير ذلك للآخرين . ثم أن قضية التفريط لا ربط لها فيما نحن فيه لأنها متفرعة على وجوب الحفظ وقد أوضحنا حاله في آخر النوع الثاني ، وبالجملة لا ريب أنه لا يجب على المسلم حفظ مال غيره ، ولو وجب لكان كل مسلم عاصيا لتركه هذا الواجب لكثرة أموال المسلمين المفتقرة إلى من يحفظها . نعم ثبت وجوب حفظ الأمانات ، وثبت وجوب ضمان الأمين مع التعدي أو التفريط ، ولا يسوغ التعدي منها إلى غيرها بدون دليل . ومن المعلوم أن الأصول تنفي الوجوب والضمان . ثم أنه لا ملازمة بين وجوب الحفظ والضمان . كما أوضحناه في النوع الثاني ومثلنا له بتعمد ترك إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق . ثانيها : ما حكاه في الجواهر عن المسالك : من أن سببيته في الإتلاف ضعيفة بالإذن له من قبل الشارع في فعل ذلك في ملكه فلا يتعقبه ضمان . وفيه أنه أن رجع إلى ما ذكره في الجواهر ففيه ما فيه ، وإلا فلا نعرف له محصلا آخر ، وبالجملة نحن نسلم أنه مسلط على ماله ونسلم أن تصرفه شرعي ، ونحن نسلم أنه لو لم يفعل ما فعله لم يتضرر من تضرر ونسلم أيضا أن مقتضى الأصل البراءة ، ولكن الكلام في أن مثل هذا النوع من التسبيب موجب للضمان أو لا . . فالأولى الاستدلال لعدم الضمان بالأصل بعد عدم الدليل ، وبعد عدم ثبوت قاعدة التسبيب وقاعدة من أتلف ومضافا إلى عدم صحة نسبة الإتلاف إليه بنظر العرف . ثالثها : إن مقتضى الأصول عدم الضمان مطلقا ، خرج منه موردان بالإجماع ، أحدهما مباشرة الإتلاف . وثانيهما : التسبب الذي هو في قوة المباشرة . وضابطه : أن لا يتوسط بين السبب والمسبب إرادة فاعل مختار ، ولا أمور كونية تمنع من صحة إسناد الإتلاف للمسبب إسنادا حقيقيا بنظر العقلاء ، وما نحن فيه ليس داخلا في شيء من ذلك ، ولم يرد فيه نص خاص . إن قلت : قد ثبت الضمان شرعا في موضعين ، وهما نظير ما نحن فيه .