المقريزي
66
إمتاع الأسماع
فلما قدم عمرو بن أمية بأم حبيبة المدينة ، ابتنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثابت أنها قدمت مع عمرو في إحدى السفينتين أيام خيبر ، وقيل : بل بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري حين بلغه خطبة عمرو أم حبيبة وتزويج خالد إياها ، فحملها إليه قبل قدوم أهل السفينتين وهيأ النجاشي طعاما أطعمه من حضره من المسلمين ، وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كسوة جامعة ، وأمر نساءه أن يبعثن إلى أم حبيبة فبعثن لها بعود وروس وعنبر وزياد كثير ، قدمت به على رسول الله ، وكان يراه عندها وعليها فلا ينكره . وأن أبا سفيان قال : أنا أبوها أبو عامر ؟ وقيل : بل بعث إليها شرحبيل بن حسنة فجاءه بها . قال ابن المبارك : أخبرنا معمر عن الزهري ، عن عروة ، أن أم حبيبة بعث بها النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة ، ولما بلغ أبو سفيان تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة قال : ذلك الفحل لا " يقدع " أنفه ( 1 ) . وقال ابن عباس رضي الله عنه في قول الله تعالى : ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ) ( 2 ) ، نزلت حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن " حرب " ( 3 ) وقيل قدم عمرو بن أمية بأم
--> ( 1 ) القدع : الكف والمنع ، وفلان لا يقدع أنفه ، أي لا يرتدع ، وهذا فحل لا يقدع أي لا يضرب أنفه ، وذلك إذا كان كريما ، وفي حديث زواجه صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها : قال ورقة ابن نوفل : محمد يخطب خديجة ، هو الفحل لا يقدع أنفه ( لسان العرب ) : 8 / 260 . ( 2 ) الممتحنة : 7 . ( 3 ) وقد قال مقاتل بن حيان : إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ابنته ، فكانت هذه مودة ما بينه وبينه . وفي هذا يقول العلامة محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي الغرناطي : ومن ذكر أن هذه المودة هي تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأنها كانت بعد الفتح فقد أخطأ ، لأن تزويجها كان وقت هجرة الحبشة ، وهذه الآيات سنة ست من الهجرة ، ولا يصح ذلك عن ابن عباس إلا أن يسوقه مثالا ، وإن كان متقدما لهذه الآية ، لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من المؤدات ، قاله ابن عطية . ( البحر المحيط ) : 10 / 156 .