المقريزي

246

إمتاع الأسماع

وعبد شمس بن الوليد بن المغيرة ، أمه [ ] بنت هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ( 1 ) . وهشام بن الوليد بن المغيرة ، وهو الذي قتل أبا أزيهر بن أنيس بن الخليق الأزدي الدوسي بذي المجاز ( 2 ) ، وكان لأبي أزيهر ابنتان : إحداهما تحت أبي سفيان بن حرب ، والأخرى تزوج بها الوليد بن المغيرة ، ولم يدخل بها حتى مات ، فطالب هشام أبا أزيهر بالصداق فلم يعطه ، فقتله ، وكانت فيه عجلة ، فأراد المطيبون الحرب فمنعهم أبو سفيان وقال : لا تشاغلوا بالحرب بينكم عن محمد وأصحابه ، ولهذا الخبر قصة ( 3 ) .

--> ( 1 ) ( جمهرة النسب ) : 89 . ( 2 ) ( جمهرة النسب ) : 88 . ( 3 ) وهذه القصة فيما ذكره ابن إسحاق قال : فلما حضرت الوليد الوفاة دعا بنيه وكانوا ثلاثة : هشام بن الوليد ، والوليد بن الوليد ، وخالد بن الوليد ، فقال لهم : أي بني ، أوصيكم بثلاث ، فلا تضيعوا فيهن : دمي في خزاعة فلا تطلنه " لا تهدرنه " ، والله إني لأعلم أنهم منه براء ، ولكني أخشى أن تسبوا بعد اليوم ، ورباي في ثقيف ، فلا تدعوه حتى تأخذوه ، وعقري عند أبي أزيهر " دية الفرج المغصوب " فلا يفوتنكم به . وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتا ، ثم أمسكها عنه ، فلم يدخلها عليه حتى مات . فلما هلك الوليد ابن المغيرة وثب بنو مخزوم على خزاعة يطلبون منهم عقل الوليد ، وقالوا : إنما قتله سهم صاحبكم - وكان لبني كعب حلف من بني عبد المطلب بن هاشم - فأبت عليهم خزاعة ذلك ، حتى تقاولوا أشعارا ، وغلظ بينهم الأمر - وكان الذي أصاب الوليد سهمه رجلا من بني كعب بن عمرو من خزاعة - فقال عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم في ذلك شعرا . ثم إن الناس ترادوا وعرفوا إنما يخشى القوم السبة ، فأعطتهم خزاعة بعض العقل وانصرفوا عن بعض . ثم لم ينته الجون بن أبي الجون حتى افتخر بقتل الوليد ، وذكر أنهم أصابوه ، وكان ذلك باطلا . فلحق بالوليد وبولده وقومه من ذلك ما حذر . ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر ، وهو بسوق المجاز - وكانت عند أبي سفيان بن حرب عاتكة بنت أبي أزيهر ، وكان أبو أزيهر رجلا شريفا في قومه - فقتله بعقر الوليد الذي كان عنده ، لوصية أبيه إياه ، وذلك بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضي بدر ، وأصيب به من أصيب من أشراف قريش من المشركين . فخرج يزيد بن أبي سفيان ، فجمع بني عبد مناف ، وأبو سفيان بذي المجاز ، فقال الناس : أخفر أبو سفيان في صهره ، فهو ثائر به . فلما سمع أبو سفيان بالذي صنع ابنه يزيد - وكان أبو سفيان رجلا حليما منكرا يحب قومه حبا شديدا - انحط سريعا إلى مكة ، وخشي أن يكون بين قريش حدث في أبي أزيهر ، فأتي ابنه ، وهو في الحديد ، في قومه من بني عبد مناف والمطيبين ، فأخذ الرمح من يده ، ثم ضرب به على رأسه ضربة هده منها ، ثم قال له : قبحك الله ! أتريد أن تضرب قريشا بعضهم ببعض في رجل من دوس ؟ سنؤتيهم العقل إن قبلوه ، وأطفئ لك الأمر . فانبعث حسان بن ثابت يحرض في دم أبي أزيهر ، ويعير أبا سفيان خفرته وبجنبه ، فقال في ذلك شعرا ، فلما بلغ أبا سفيان قول حسان قال : يريد حسان أن يضرب بعضنا ببعض في رجل من دوس ، بئس والله ما ظن . ولما أسلم أهل الطائف كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربا الوليد الذي كان في ثقيف ، لما كان أبوه أوصاه به . قال ابن إسحاق : فذكر لي بعض أهل العلم أن هؤلاء الآيات من تحريم ما بقي من الربا بأيدي الناس ، نزلن في ذلك من طلب خالد الربا : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) " البقرة : 278 " إلى آخر القصة فيها . ولم يكن في أبي أزيهر ثأر نعلمه ، حتى حجز الإسلام ، إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري ، خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس ، فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان مولاة لدوس ، وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس ، فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر ، فقامت دونهم أم غيلان ونسوة معها حتى منعتهم ، فقال ضرار بن الخطاب في ذلك شعرا . قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة : أن التي قامت دون ضرار أم جميل ، ويقال : أم غيلان ، قال : ويجوز أن تكون أم غيلان قامت مع أم جميل فيمن قام دونه . فلما قام عمر بن الخطاب أتته أم جميل ، وهي ترى أنه أخوه ، فلما انتسبت له عرف القصة فقال : إني لست بأخيه إلا في الإسلام ، وهو غاز وقد عرفت منتك عليه ، فأعطاها على أنها ابنة سبيل . قال الراوي : قال ابن هشام : وكان ضرار لحق عمر بن الخطاب يوم أحد ، فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول : انج يا ابن الخطاب لا أفتلك ، فكان عمر يعرفها له بعد إسلامه . ( سيرة ابن هشام ) : 2 / 258 - 263 . وقد ذكر ابن هشام ما قاله كل من عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وما قاله الجون بن أبي الجون الخزاعي ، وما قاله حسان بن ثابت ، وما قاله ضرار بن الخطاب ، في قصة أبي أزيهر من الشعر ، الذي قد بلغ سبعة وعشرين بيتا ، أمسكنا عن ذكرها خشية الإطالة ، فلتراجع في ( المرجع السابق ) .