المقريزي
121
إمتاع الأسماع
فما كان شهر ربيع الأول دخل عليها فرأت ظله فقالت : إن هذا لظل رجل ، وما يدخل علي النبي ! فمن هذا ؟ فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأته قالت : يا رسول الله ! ما أدري ما أصنع حين دخلت علي . قالت : وكانت لها جارية ، وكانت تخبؤها من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : فلانة لك ، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم إلى سرير زينب - وكان قد رفع - فوضعه بيده ثم أصاب أهله ورضي عنهم ( 1 ) . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا ( 2 ) واعتزلهن لشئ صدر منهن ، فقيل : لأنهن سألنه من النفقة ما
--> ( 1 ) ( مسند أحمد ) 7 / 474 - 475 ، حديث رقم ( 26325 ) ، وحديث رقم ( 26326 ) : حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا عفان ، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - قال : حدثنا ثابت عن سمية ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر فاعتل بعير لصفية . . فذكره نحوه . ( 2 ) الايلاء في اللغة : الحلف . وفي الشرع : الحلف على ترك وطء الزوجة . وإن ترك الوطء بغير يمين لم يكن مؤليا ، فإذا كان تركه لعذر من مرض ، أو غيبة ، ونحوه ، لم تضرب له مدة ، وإن تركه مضرا بزوجته ، ففي رواية له أربعة أشهر ، فإن وطئها ، وإلا دعى بعدها إلى الوطء ، فإن امتنع منه أمر بالطلاق ، كما يفعل في الايلاء سواء ، وفي رواية أخرى : لا تضرب له مدة . والألفاظ التي يكون بها مؤليا ، ثلاثة أقسام . الأول : ما هو صريح في الحكم والباطن - أي في القضاء والديانة - جميعا ، وهو ثلاثة ألفاظ ، قوله : والله لا آتيك ، ولا أدخل ، ولا أغيب ، أو أولج ذكري في فرجك ، ولا أفتضك - إذا كانت الزوجة بكرا - فهذه صريحة ولا يدين فيها . الثاني : صريح في الحكم ، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ، وهي عشرة ألفاظ : لا وطئتك ، ولا جامعتك ، ولا أصبتك ، ولا باشرتك ، ولا مسستك ، ولا قربتك ، ولا أتيتك ، ولا باضعتك ، ولا باعلتك ، ولا اغتسلت منك . فهذه صريحة في الحكم ، وأشهرها الجماع والوطء ، فلو قال : أردت بالوطء الوطء بالقدم ، وبالجماع اجتماع الأجسام ، وبالإصابة الإصابة باليد ، دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يقبل الحكم . الثالث : ما لا يكون إيلاء إلا بالنية ، وهو ما عدا هذه الألفاظ مما يحتمل الجماع وغيره ، كقوله : والله لا قربت فراشك ، لا نمت عندك ، فهذه الألفاظ إن أراد بها الجماع واعترف بذلك ، كان مؤليا ، وإلا فلا . وهذا النوع الثالث منه ما يفتقر إلى نية الجماع والمدة ، حتى تعتبر إيلاء ، وذلك مثل : لأسوءنك ، لأغيظنك ، لتطولن غيبتي عنك ، فلا يكون مؤليا ، حتى ينوي بها ترك الجماع مدة تزيد على أربعة أشهر ، ومنه ما يكون مؤليا بنية فقط ، وهو سائر ألفاظ الكناية . وإن قال : والله ليطولن تركي لجماعك ، أو لوطئك ، أو لإصابتك ، فهذا صريح في ترك الجماع ، وتعتبر نية المدة دون نية الوطء . وإن قال لإحدى زوجتيه : والله لا وطئتك ، ثم قال للأخرى ، أشركتك معها ، لم يصر مؤليا من الثانية على قول ، وعلى آخر يكون مؤليا . وكذلك لو آلى رجل من زوجته ، فقال آخر لامرأته : أنت مثل فلانة لم يكن مؤليا ، وإن قال : إن وطئتك فأنت طالق ، ثم قال لزوجته الأخرى : أشركتك معها ، ونوى ، فقد صار طلاق الثانية معلقا على وطئها - أي وطء الثانية - أيضا . ويصح الايلاء بكل لغة من العجمية وغيرها ممن يحسن العربية وممن لا يحسنها ، فإن آلى بالعجمية من لا يحسنها وهو لا يدري معناها لم يكن مؤليا ، وإن نوى موجبها عند أهلها ، وكذلك الحكم إذا آلى بالعربية من لا يحسنها ، فإن اختلف الزوجان في معرفته بذلك ، فالقول قول الزوج ، إذا كان متكلما بغير لسانه . فأما إن آلى العربي بالعربية ، ثم قال : جرى على لساني من غير قصد ، أو قال ذلك العجمي في إيلائه بالعجمية لم يقبل في الحكم . ويصح الايلاء بأن يحلف بالله تعالى ، أو بصفة عن صفاته . ولا خلاف بين أهل العلم في أن الحلف بذلك إيلاء ، فأما إن حلف على ترك الوطء بغير ذلك مثل : أن يحلف بطلاق ، أو عتاق ، أو صدقة المال ، أو الحج ، أو الظهار ، فلا يكون مؤليا ، في الرواية المشورة ، وفي الأخرى : هو مؤل ، وعلى الرواية الأخيرة لا يكون مؤليا ، إلا أن يحلف بما يلزمه بالحنث فيه حق ، كقوله : إن وطئتك فعبدي حر ، أو فلله علي صوم سنة ، أو فأنت طالق ، أو فأنت علي حرام ، ونحوه ، فهذا يكون إيلاء . ويكون مؤليا بنذر فعل المباحات والمعاصي أيضا ، فإن نذر المعصية موجب للكفارة في ظاهر المذهب ، وإذا استثنى في يمينه - قال : إن شاء الله - لم يكن مؤليا بلا خلاف إذا كانت اليمين بالله تعالى ، أو كانت يمينا مكفرة - منعقدة - فأما تعليق الطلاق والعتاق ، فمن جعل الاستثناء فيهما غير مؤثر ، فوجوده كعدمه ، ويكون مؤليا بهما ، سواء استثنى أم لم يستثن . ولا يشترط في الايلاء الغضب . ولا قصد الإضرار ، ويصح الايلاء من كل زوج مكلف قادر على الوطء . أما العاجز عن الوطء ، فإن كان لعارض مرجو زواله ، كالمرض ، والحبس ، صح إيلاؤه . وإن كان غير مرجو الزوال كالجب - قطع الذكر - والشلل لم يصح إيلاؤه ، وهو الأولى . وأما الخصي الذي سلت بيضتاه ، أو رضتا ، فيمكن منه الوطء ، وينزل ماء رقيقا ، فيصح إيلاؤه ، وكذلك المجبوب الذي بقي من ذكره ما يمكن الجماع به ، ويصح إيلاء الذمي ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضى إلينا . ويصح الايلاء من كل زوجة ، مسلمة كانت أو ذمية ، حرة كانت أو أمة ، ويصح الايلاء من المجنونة ، والصغيرة ، إلا أنه لا يطالب بالفيئة في الصغر والجنون ، فأما الرتقاء ، والقرناء ، فلا يصح الايلاء منهما ، ويحتمل أن يصح وتضرب له المدة ، ويفئ في ء المعذور . وإن آلى من زوجته المطلقة رجعيا صح إيلاؤه ، وروي أنه لا يصح ، وإذا آلى منها احتسب بالمدة من حين آلى ، وإن كانت في العدة . وقيل : لا يحتسب عليه المدة إلا حين يراجعها . وأما توجيه الايلاء لأكثر من زوجة ، فإن قال لأربع نسوة : والله لا أقربكن فهو مؤل منهن كلهن في الحال . فإن وطئ واحدة منهن حنث ، وانحلت يمينه ، وزال الايلاء من البواقي . وإن طلق بعضهن أو ماتت لم ينحل الايلاء في الباقيات . وقيل لا يكون مؤليا منهن في الحال ، فإن وطئ ثلاثا صار مؤليا من الرابعة فقط ، وإن مات بعضهن أو طلقها انحلت يمينه وزال الايلاء ، فإن راجع المطلقة أو تزوجها بعد بينونتها عاد حكم يمينه ، وقيل : إن وطئ واحدة حنث ، ولم ينحل الايلاء في الباقيات . ومدة الايلاء أربعة أشهر في حق الأحرار ، والعبيد المسلمين ، وأهل الذمة سواء ، ولا فرق بين الحرة والأمة ، والمسلمة والذمية ، والصغيرة والكبيرة ، وروي أن مدة إيلاء العبيد شهران . ( المغني ) : 11 / 107 - 116 مختصرا من المعجم . قال تعالى : ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ) " البقرة : 226 " . ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المؤلي بأربعة أشهر ، الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ ، عن عبد الله بن دينار قال : خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول : تطاول هذا الليل واسود جانبه * وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه فوالله لولا الله أني أراقبه * لحرك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها : كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها ؟ فقالت : ستة أشهر ، أو أربعة أشهر ، فقال عمر : لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك . وقال محمد بن إسحاق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس ، وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة ، وكان يفعل ذلك كثيرا ، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها تقول : تطاول هذا الليل وأزور جانبه * وأرقني أن لا ضجيج ألاعبه ألاعبه طورا وطورا كأنما * بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه يسر به من كان يلهو بقربه * لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه فوالله لولا الله لا شئ غيره * لنقض من هذا السرير جوانبه ولكنني أخشى رقيبا موكلا * بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه مخافة ربي والحياء يصدني * وإكرام بعلي أن تنال مراكبه وقد روي هذا من طرق ، وهو من المشهورات ( تفسير ابن كثير ) : 1 / 276 .