الآخوند الخراساني

91

فوائد الاُصول

الثالث انّه قد عرفت بما قدّمناه انّه لا بدّ في تنجّز التّكليف المعلوم بالإجمال أن يكون فعليّا بحيث لو انكشف الحال وارتفع الإجمال فبأيّ طرف تعلّق كان فعلا يبعث نحوه المولى ويحرّك إليه ، ولا يكاد أن يكون ذلك إلاّ إذا كان تمام الأطراف في محلّ الابتلاء ، إذ بدونه لا ينقدح البعث والزّجر في نفس المولى فعلا بخطابه ، ضرورة أن إنشاء التّكليف بالخطاب العامّ على نحو القاعدة والقانون انّما يكون بعثا أو زجرا بالنّسبة إلى المكلّف به فيما يصحّ أن يقع داعيا إليه وباعثا نحوه على المتعارف وما كان خارجا منه عن محلّ الابتلاء عادة ، لا يكاد أن يكون النّهى بذاك الخطاب العامّ زجرا « 1 » للمكلّف عنه ، بداهة انّ الاجتناب عن وطي جارية تكون في حرم السّلطان لا يكون بزاجريّة النّهى عن الزّنا فإنشاء النّهى عنه مطلقا وإن صحّ من غير تعلّق بالابتلاء إلاّ انّه لا يكون زجرا فعلا إلاّ عمّا يكون في محلّ الابتلاء وما لم يكن في البين بعثا فعليّا لم يكن التّكليف بفعلي ولو كان التّحريم أو الإيجاب منشأ بالخطاب . وبالجملة خطاب ( اجتنب عن الخمر ) مثلا وإن كان يعمّ جميع أفراده من غير اختصاص له بما يكون في محلّ الابتلاء كما يشهد بذلك ملاحظة صحّة عموم الخطابات النّاهية من غير تعليق لها بصورة الابتلاء بلا إشكال ، إلاّ انّه لا يكون تحريما وزجرا فعلا إلاّ عمّا يكون منها في مورد الابتلاء ، والسّرّ في ذلك انّه ليس مفاد الخطاب إلاّ التّحريم أو الإيجاب الإنشائيين ، كما حقّقناه في بعض الفوائد السّابقة ، ويكفى في ذلك مجرّد المقتضى للتّحريم والإيجاب الحقيقيّين وإن لم يكن العلّة التّامّة لهما بعد في البين لعدم الابتلاء أو لجهة أخرى كما لا يخفى على من له دراية . ومن هنا ظهر أنّه لو شك في حصول ما يعتبر في صحّة البعث الفعلي من الابتلاء ، كان المرجع هو أصالة البراءة لا إطلاق الخطاب ، لا بهيئته ولا بمادّته بنفسها ولا بمتعلّقها ، لأنّه لا يوجب تضييقا للمادّة أصلا لوضوح حرمة شرب الخمر الخارج عن محل الابتلاء أيضا كما لا يخفى ، ولا تضيقا لما هو مفاد إطلاق الهيئة من التّحريم الإنشائيّ المطلق الغير المختصّ بصورة الابتلاء وإن كان التّحريم الفعلي مختصّا بها ، لما عرفت من أنّه مرتبة أخرى من التّكليف غير مفاد الهيئة وإن كان لإنشائه بالصّيغة دخل في حصولها ، فإذا لم يكن اعتبار الابتلاء موجبا لتضييق دائرة مفاد الخطاب بهيئته ومادّته « 2 » ومتعلّقه ، فكيف يرجع في رفع ما شكّ في اعتباره إلى إطلاقه ، فتأمّل في

--> ( 1 ) - زاجرا . ( 2 ) - خ ل : ولا بمادّته .