الآخوند الخراساني
130
فوائد الاُصول
الخطاب تحريما أو إيجابا حقيقة وبدونه لا يكون إلاّ صورة الحكم واقعا بحيث لو كانا وعلم المكلّف بهما لاستقلّ العقل بصحّة العقوبة على المخالفة ولو لم يكن في البين خطاب ، ولو لم يكونا لم يستحقّ العقوبة على مجرّد مخالفة الخطاب إلاّ من باب التّجرّي في بعض الأحيان ، لا من باب العصيان ، فيكون بينهما والخطاب بحسب المورد عموما وخصوصا من وجه . ثانيهما انّه لا يخفى أنّ مجرّد حسن فعل أو قبحه عقلا لا يوجب إرادة العقلاء إيّاه بحيث يبعثون إليه عبيدهم أو يزجرونهم عنه كما يحسنون أو يقبّحون عليه لو اتّفق صدوره من أحد ، بل لا بدّ في حصولهما من دواعي وأغراض آخر ، فربّما يكون لهم داعي إلى صدور الحسن من العبد ، وربّما لا يكون . والحاصل أنّ مجرّد حسن فعل لا يكون بداعي لإرادته من الغير وبدونه لا يكاد أن يتعلّق بصدوره منه إرادة ويشهد به مراجعة الوجدان حيث لا نجد من أنفسنا حصول الإرادة بمجرّد ملاحظة حسن فعل الإنسان ، فربّما لا نريد الإحسان منه إلى أحد بل نكرهه وإن كان مستحقّا للتّحسين لو فعله ، وهذا واضح لا سترة عليه . لا يقال : إنّ العاقل كيف يصحّ أن لا يريد ما يحسّنه العقل أو لا يكره ما يقبّحه ، ولا معنى لتحسينه وتقبيحه على ما سبق في الفائدة السّابقة إلاّ استعجاب العقل ورضاه واستغرابه وسخطه ، وهذان مساوقان للإرادة والكراهة . لأنّا نقول : هذا واضح البطلان ، لما عرفت من شهادة الوجدان على عدم كفاية ذلك منهما ، كيف ويصدر من العقلاء أنفسهم كثيرا ما اختيار فعل القبيح وترك الحسن ، ولا يكاد أن يصدر بالاختيار شيء إلاّ بالإرادة ، وسرّه أنّ الدّاعي الّذي هو سبب الإرادة يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص وغلبة الشّهوات والتفاوت في الملكات وملاحظة نظام الكائنات . إن قلت : هذا في العقلاء ، واضح ، وأمّا في الخالق تعالى شأنه فلا ، لأجل أنّ الإرادة والكراهة فيه تعالى ليس إلاّ عمله بمصلحة الفعل ومفسدته ، ولا حسن ولا قبح إلاّ بالمصلحة والمفسدة . قلت : الإرادة كسائر الصّفات فيه تعالى وإن اتّحدت مع العلم وجودا ، ومصداقا ، إلاّ أنّ مجرّد العلم بالمصلحة كما أنّه ليس بإرادة تكوينيّة موجبة لتحقّق المراد بحكم « إذا أراد اللّه شيئا أن يقول له كن فيكون » « 1 » كما عرفت في بعض الفوائد
--> ( 1 ) - يس - 82 ( انما امره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون ) .