الآخوند الخراساني

125

فوائد الاُصول

ثمّ انّه ظهر ممّا ذكر بيان ما هو سبب اتّصاف الأفعال عند العقل بالحسن والقبح اتّصافها بهما أيضا عنده جلّ شأنه ، ولا يبقى مجال لإنكار ذلك بتقريب أنّه من المحتمل أن يكون ملائمات العقل ومنافراته بالقياس إليه تعالى كملاءمات سائر القوى ومنافراتها بالنّسبة إليه ، فكما لا يتفاوت عنده الملائم والمنافر لها بل على حدّ سواء ، كذلك كان حال ملائماته ومنافراته بالإضافة إليه تعالى ، وذلك لما عرفت من أنّ سلب الاتّصاف هو الاختلاف في السّنخيّة والبينونة في الوجود بحسب سعته وكماله ، وضيقه ونقصه بما له من الأثر خيرا وشرا . ولا يخفى أنّ هذا كلّما كان الوجود أكمل كان أظهر وأبين ، ولأجل ذلك يكون كلّما كان العقل أكمل كان استقلاله بهما فيها أكثر والملائمة والمنافرة أبين وأظهر ، وكلّما كان أنقص كان ذلك أقل ، إلى أن لا يرى المنافر منافرا والملائم ملائما بل يرى بالعكس . ثمّ انّه بعد الإحاطة بجميع ما ذكرنا من البيان لا حاجة إلى إقامة برهان على كونهما عقليّين ، مع ضرورة شهادة الوجدان على حسن الإحسان وقبح الظّلم والعدوان ووضوح بطلان ما أجيب عنه من منعه بالمعنى المتنازع فيه ، بل بمعنى موافقة الغرض ومخالفته والكمال والنّقص ، ضرورة استقلال العقل بحسن الإحسان ولو فيما خالف الغرض ، وبقبح الظلم ولو فيما وافقه ، والكمال والنّقص أضيفا إلى الفاعل بأن يكون حسن الإحسان بمعنى انّ المحسن له كمال وقبح الظّلم بمعنى كون الظّالم له نقص فيقال من أين نشأ هذا التّفاوت مع عدم تفاوت أصلا في ناحية الفعل حسب الفرض كما لا يخفى وإن قيسا إلى الفعل ، فقد عرفت أنّ الجهات المحسّنة والمقبحة في الأفعال ينتهى إلى صفتي النّقص والكمال الموجبتين للملاءمة والمنافرة المقتضيين لصحّة مدح فاعلها وذمّه عليها . ولا يكاد أن يكون فيها جهة غير منتهية إلى ذلك موجبة للمنافرة أو الملائمة أو مقتضية للمدح أو الذّمّ بلا توسيطهما ، فلا محيص عن الالتزام بتفاوت الظّلم والإحسان والإطاعة والعصيان في الحسن والقبح بمعنى صحّة المدح والذّم عليهما لا يكاد يخفى على شاعر ولا ينكره غير مكابر ، لأجل شبهة تقدّمت الإشارة إليها وإلى دفعها .