المقريزي
88
إمتاع الأسماع
تجول في الدار ، وتجد شارفها قائمة تقصع بجرتها ( 1 ) ، فقالت لزوجها : إن هذا المولود لمبارك ؟ فقال أبوه : قد رأينا بعض بركته . قال : ثم عمد إلى شاتها فحلبها قعبا فسقى حليمة ، ثم حلبها قعبا آخر فشرب حتى روى ، ولمس ضرعها فإذا هي بعد حافل ، فحلب قعبا آخر فحقنه في سقاء ( 2 ) له ثم حدجوا ( 3 ) أتانها فركبتها حليمة ، وركب الحرث شارفهم ، وحملت حليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديها على الأتان فطلعا على صواحبها بوادي السرر مرتعات وهما يتواهقان في السير ، فقلن : هي حليمة وزوجها ، ثم قلن : هذا حمار أنجى من حمارتها ، وهذا بعير أنجى من بعيرها ، وما يقدران على أن يضبطا رؤوسهما حتى نزلت معهن فقلن : يا حليمة ؟ ماذا صنعت ؟ قالت : أخذت والله خير مولود رأيته قط وأعظمه بركة ، فقالت النسوة : أهو ابن عبد المطلب ؟ قالت : نعم ، وأخبرتهن بما قالت آمنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أمرتها أن تسأل عنه ، وما رأت حليمة من إقبال درها ودر لقوحها وما رأوا من نجاء الإتان واللقحة ، فقالت حليمة : فما رحلنا من منزلنا حتى رأيت الحسد في بعض نسائنا [ فيمرون بسنح ( 4 ) من هذيل على عراف كبير ، فقالت النسوة : سلي هذا ، فجاءت حليمة إليه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته خبره وما قالت فيه آمنة ، فصاح الهذلي : يا آل هذيل ؟ اقتلوه . . . اقتلوه ، وآلهته ليمكن في الأرض وإنه لينتظر من السماء أمرا ، فرحن إلى بلادهن ، وإنما اعتاف العائف في قبض النبي صلى الله عليه وسلم التراب حين ولد ] ( 5 ) . قالت : فقدمنا على عشرة أعنز ما ير من البيت هزالا فإن كنا لتريح الإبل وإنها لحفل ، فنحلب ونشرب ، ونحلب شارفنا غبوقا وصبوحا ( 6 ) ، وإني لأنظر إلى الشارف قد نضبت في سنامها ، وأنظر إلى عجز الأتان فكأن فيها
--> ( 1 ) تقصع بجرتها : تجتر ، وذلك يعني أنها كانت قد أكلت فامتلأت . ( 2 ) في ( خ ) : ( سقاية ) ، وما أثبتناه من ( دلائل أبي نعيم ) . ( 3 ) حدجوا : شدوا عليه الحدج ، وهو الحمل . ( 4 ) سنح : موضع في طرق من أطراق المدينة وهي منازل بني الحارث بن الخزرج . ( 5 ) ما بين الحاصرتين زيادة من ( خ ) ، وليس في رواية أبي نعيم . ( 6 ) الغبوق : ما يشرب في السماء ، والصبوح : ما يشرب في الصباح .