المقريزي
63
إمتاع الأسماع
وأما صرف أصحاب الفيل عن مكة المكرمة فقد قال الله جل جلاله في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم - وقريش بأجمعها تسمعه ، والعرب شاهدة له ، والحرب بينهم راكدة ، والتكذيب منهم ظاهر - : [ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول ] ( 1 ) ، فلولا أن قصة الفيل كانت عندهم كالعيان ، وكان العهد قريبا ، والأمر مشهورا مستفيضا ، لاحتجوا فيه بغاية الاحتجاج ، والقوم في غاية العداوة والإرصاد ، وفي غاية المباينة والتكذيب ، وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : [ وتنذر به قوما لدا ] ( 2 ) ، وقال : [ بل هم قوم خصمون ] ( 3 ) ، وقال : [ فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ] ( 4 ) ، وقال : [ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ] ( 5 ) . قوله : [ ألم تر ] : قال الفراء : ألم تخبر ، وقال ابن عباس ألم تسمع ، وهو استفهام معناه التقرير ، والخطاب للرسول ولكنه عام ، ومعناه : ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل ؟ و [ كيدهم ] : هو ما أرادوا من تخريب الكعبة ، [ في تضليل ] : أي في ذهاب . والمعنى : أن كيدهم ضل عما قصدوا له ، فلم يصلوا إلى مرادهم . [ وأرسل عليهم طيرا ] : أي وأرسل الرب عليهم ، وهذا عطف على معنى [ ألم يجعل ] لا على لفظه .
--> ( 1 ) سورة الفيل كلها . ( 2 ) مريم : 97 . ( 3 ) الزخرف : 58 . ( 4 ) الأحزاب : 19 . ( 5 ) إبراهيم : 46 .