المقريزي

387

إمتاع الأسماع

والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ، ثم استعبر باكيا ثم قام ، فلما ولى ناداه : أقبل يا ابن أخي ، فقال : اذهب وقل ما شئت ، فوالله لا أسلمتك لسوء أبدا . هذا ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يذكر ما لقي من قومه من الجهد والشدة ، فقال : لقد مكثت أياما وهذا صاحبي - يشير إلى أبي بكر رضي الله عنه - بضع عشر ليلة ، مالنا طعام إلا الثريد في شعب الجبال . وكان عتبة بن غزوان يقول إذا ذكر البلاء والشدة التي كانوا عليها بمكة : لقد مكثنا أياما مالنا طعام إلا ورق البشام ( 1 ) ، أكلناه حتى تقرحت أشداقنا ، ولقد وجدت يوما تمرتين فجعلتهما بيني وبين سعد ، وما فينا اليوم أحد إلا وهو أمين على كورته ، وكانوا يقولون فيمن وجد تمرة فقسمها بينه وبين صاحبه : إن أسعد الرجلين من حصلت له النواة في قسميها يلوكها يومه وليلته ، وعدم القوت . وكذا قال صلى الله عليه وسلم : لقد رعيت غنيمات أهل مكة لهم بالقراريط ، وجاء صلى الله عليه وسلم يوما ليدخل الكعبة ، فدفعه عثمان بن طلحة العبدولي ، فقال : لا تفعل يا عثمان ! فكأنك بمفتاحها بيدي أضعه حيث شئت ، فقال له : [ ذلت ] ( 2 ) يومئذ قريش وقلت ، فقال صلى الله عليه وسلم : بل كثرت وعزت . ثم غزا صلى الله عليه وسلم تبوك في ثلاثين ألفا ، فهذا من قبل الله عز وجل ، الذي يجعل من لا شئ كل شئ ويجعل كل شئ مالا شئ ، يجمد المائعات ، ويميع الجامدات ، يجمد البحر ، ثم يفجر الصخر ، وما مثله صلى الله عليه وسلم في ذلك إلا كمثل من قال : هذه الزجاجة الرقيقة السخيفة ، أصك بها هذه الجبال الصلدة الصلبة المتينة ، فقرضها ونقضها ، وهذه النملة الضعيفة اللطيفة ، تهزم العساكر الكثيرة المعدة ( 3 ) . وكذا حقيقة أمره صلى الله عليه وسلم ، حتى قال عروة بن مسعود الثقفي لقريش - وكان

--> ( 1 ) شجر عطر الرائحة ، ورقه يسود الشعر ، ويستاك بقضبه . ( ترتيب القاموس ) : 1 / 279 . ( 2 ) زيادة للسياق . ( 3 ) المعدة : من العتاد وآله الحرب .