المقريزي
372
إمتاع الأسماع
انطلق معي ، قال : فقال : ما أمرك وما أقدمك هذه البلدة ؟ قال : قلت له : إن كتمت علي أخبرتك ، قال : فإني أفعل ، قال : قلت له : بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي ، فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر ، فأردت أن ألقاه ، فقال : أما إنك قد رشدت ، هذا وجهي إليه فاتبعني ، أدخل حيث أدخل ، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي ، وامض أنت ، فمضى ومضيت معه ، حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له : اعرض علي الإسلام ، فعرضه علي فأسلمت مكاني ، فقال لي : يا أبا ذر ، اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك ، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل ، فقلت : والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم . فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال : يا معشر قريش ؟ إني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ ، فقاموا فضربت لأموت ، فأدركني العباس فأكب علي ثم أقبل عليهم ، فقال : ويلكم ؟ تقتلون رجلا من غفار ، ومتجركم وممركم على غفار ؟ فأقلعوا عني ، فلما أصبحت الغد رجعت فقلت مثلما قلت بالأمس ، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ ، فصنع بي مثل ما صنع بالأمس ، وأدركني العباس فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس ، فكان هذا أول إسلام أبي ذر رحمه الله . وخرج مسلم في كتاب المناقب من حديث سليمان بن المغيرة ، قال : حدثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت قال : قال أبو ذر : خرجنا من قومنا غفار ، وكانوا يحلون الشهر الحرام ، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا ، فنزلنا على خال لنا ، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا ، فحسدنا قومه فقالوا : إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس ، فجاء خالنا فنثا ( 1 ) علينا الذي قيل له ، فقلت له : أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ، ولا جماع لك في ما بعد ، فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها ، وتغطى خالنا بثوبه فجعل يبكي ، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة ، فناخر أنيس عن صرمتنا ( 2 ) وعن مثلها ، فأتينا الكاهن فخير أنيسا ، فأتانا
--> ( 1 ) نثا : أشاع وأفشى . ( 2 ) الصرمة بكسر الصاد : القطعة من الإبل أو الغنم .