المقريزي

370

إمتاع الأسماع

[ إسلام أبي ذر ] وأما إسلام أبي ذر رضي الله عنه ، فخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثنا المثنى بن سعيد ، عن أبي جمرة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، قال لأخيه : اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء ، فاسمع من قوله ثم ائتني ، فانطلق الآخر حتى قدم مكة وسمع من قوله ثم رجع إلى أبي ذر فقال : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ، وكلاما ما هو بالشعر ، فقال : ما شفيتني فيما أردت ، فتزود وحمل شنة ( 1 ) له فيها ماء حتى مكة . فأتى المسجد فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه ، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه - يعني الليل - فاضجع فرآه علي رضي الله عنه فعرف أنه غريب ، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى أصبح ، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد ، فظل ذلك اليوم ولا يرى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى ، فعاد إلى مضجعه ، فمر به علي فقال : ما آن للرجل أن يعلم منزله ؟ فأقامه فذهب به معه ، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك ، فأقامه علي معه ثم قال له : أما تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد ؟ قال : إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت ، ففعل . فأخبره فقال : فإنه حق وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أصبحت فاتبعني ، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك ، قمت كأني أريق الماء ، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ، ففعل ، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه ، فسمع من قوله وأسلم مكانه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إرجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري ، فقال : والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم .

--> ( 1 ) الشن بفتح الشين : القربة البالية .