المقريزي

364

إمتاع الأسماع

دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه ، وقد لجئوا إلى بلادك ، فبعثنا إليك فيهم عشائرهم وآباؤهم وأعمامهم وقومهم ، لتردهم عليهم ، فهم أعلى بهم عينا ( 1 ) وأعلم بما عابوه عليهم . فقالت بطارقته : صدقوا أيها الملك ، لو رددتهم عليهم كانوا هم أعلى بهم عينا ( 1 ) ، وأعلم بما عابوه عليهم ، فإنهم لم يدخلوا في دينك فتمنعهم بذلك ، فغضب ثم قال لعمرو : والله لا أردهم إليهم حتى أدعوهم فأكلمهم وأنظر ما أمرهم ، قوم لجئوا لبلادي ، واختاروا جواري على جوار غيري ، فإن كانوا كما تقولون رددتهم عليهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ، لم أخل ما بينهم وبينهم ، ولم أنعمهم عينا . فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم ، ولم يكن شئ أبغض إلى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم ، فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقال : ماذا تقولون ؟ قالوا : وماذا نقول ؟ نقول : والله ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا ، وما جاءنا به نبينا كائن في ذلك ما كان . فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال له النجاشي : ما هذا الدين الذي أنتم عليه ؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية ، فما هذا الدين ؟ فقال جعفر : أيها الملك ، كنا قوما على الشرك ، نعبد الأوثان ونأكل الميتة ، ونسئ الجوار ، ونستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها ، ولا نحل شيئا ولا نحرمه ، فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا ، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته ، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ، ونصل الرحم ، ونحسن الجوار ، ونصلي لله ونصوم له ، ولا نعبد غيره . قال : فقال : هل معك شئ مما جاء به ؟ - وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله - فقال له جعفر : نعم فقال : هلم فاتل علي ما جاء به ، فقرأ

--> ( 1 ) أي أبصر بهم من غيرهم .