المقريزي

343

إمتاع الأسماع

أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره ، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد ، فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمد أبدا ، وقال : لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ، ولكني أتيته ، فقص عليهم القصة ، فأجابني بشئ والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة ، قرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ) حتى بلغ : ( فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) ، فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمد إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن ينزل بكم العذاب ( 1 ) . وخرجه من حديث ابن بكير عن ابن إسحاق قال : حدثني يزيد بن زيادة مولى بني هاشم ، عن محمد بن كعب قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة ( 2 ) - وكان سيدا حكيما - قال : ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده ، يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى هذا فأكلمه ، فأعرض عليه أمورا لعله يقبل منا بعضها ، ويكف عنا ؟ قالوا : بلى يا أبا الوليد ، فقام عتبة ابن ربيعة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الحديث فيما قال له عتبة ، وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك ، حتى إذا فرغ [ عتبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفرأيت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم ، قال : فاسمع مني ، قال : أفعل ] ( 3 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا ) ، فمضى رسول الله يقرأها عليه ، فلما سمعها عتبة أنصت لها ، وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه ، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة ( 4 ) فسجد فيها ، ثم قال : سمعت يا أبا الوليد ؟ قال : سمعت ، قال : فأنت وذاك . فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال :

--> ( 1 ) أنظر التعليق السابق . ( 2 ) عتبة بن ربيعة ( 2 ه‍ - = 624 م ) . ( 3 ) ما بين الحاصرتين تكملة من ( دلائل البيهقي ) . ( 4 ) وهي قوله تعالى في ذات السورة : ( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) ، آية : 38 فصلت .