المقريزي

285

إمتاع الأسماع

والوجه الثالث : أن ينسخ حكمه ويبقى خطه يتلى في المصحف ، وهذا كثير نحو قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ) ( 1 ) الآية ، نسختها : ( يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) ( 2 ) الآية ، وهذا من الناسخ والمنسوخ [ المجمع ] عليه ، ومن هذا الباب : آية الوصية للأقارب ، وآية التخفيف في القتال ، وهو نسخ الثبات لعشرة بالثبات لاثنين ، وهو نسخ الأثقل إلى الأخف وعكسه : نسخ الأخف إلى الأثقل ، كنسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان ، وقد ينسخ الشئ لا إلى بدل ، كصدقة النجوى ( 3 ) ، والصلاة إلى بيت المقدس لم تكن في القرآن ، وإنما كانت في السنة . ومنه أيضا : آية الممتحنة ، وهي قوله تعالى : ( ولا ترجعوهن إلى الكفار ) ( 4 ) ، فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش ، وقد أبت طائفة أن يكون شئ من القرآن إلا ما بين الوحي مصحف عثمان رضي الله عنه ، واحتجوا بقوله تعالى : : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ( 5 ) ، وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان ، وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كانوا ، هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه ، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه . قالوا : قوله في حديث عائشة : والصلاة الوسطى وصلاة العصر ، ليس في شئ من معنى الناسخ والمنسوخ ( 6 ) ، وإنما هو من معنى السبعة الأحرف التي أنزل الله القرآن عليها ، نحو قراءة عمر ، وابن مسعود : فامضوا إلى ذكر الله ، وقراءة ابن مسعود : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، وقراءة أبي وابن عباس : وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ( 7 ) ، وقراءة ابن مسعود وابن عباس :

--> ( 1 ) البقرة : 240 . ( 2 ) البقرة : 234 . ( 3 ) المجادلة : 8 ، 10 ، 12 . ( 4 ) الممتحنة : 10 . ( 5 ) الحجر : 9 . ( 6 ) قوله : ( سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال الباجي : يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآن ثم نسخت كما في حديث البراء فلعل عائشة لم تعلم بنسخها ، أو اعتقدت أنها مما نسخ حكمه وبقى رسمه ، ويحتمل أنه ذكرها صلى الله عليه وسلم على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلتها ، فظنتها قرآنا فأرادت إثباتها في المصحف لذلك ، أو أنها اعتقدت جواز إثبات غير القرآن معه ، على ما روي عن أبي وغيره من الصحابة ، أنهم جوزوا إثبات القنوت وبعض التفسير في المصحف وإن لم يعتقدوه قرآنا . ( الزرقاني على الموطأ ) : 2 / 403 . ( 7 ) وهي في قراءة حفص : ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ) [ الكهف : 80 ] .