المقريزي

278

إمتاع الأسماع

أهل المصرين : البصرة والكوفة لحفظ لسان العرب وكتب لغتها ، لم يأخذوا إلا عن هذه القبائل الوسيطة المذكورة ومن كان معها ، وتجنبوا اليمن والعراق والشام ، فلم يكتب عنهم حرف واحد ، ولذلك تجنبوا حواضر الحجاز : مكة والمدينة والطائف ، لأن السبي والتجار من الأمم كثروا فيها وأفسدوا اللغة ، وكانت هذه الحواضر في مدة النبي صلى الله عليه وسلم سليمة لقلة المخالطة . فمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، أي فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها ، فنزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه بعبارة قريش [ مرة ] ، ومرة بعبارة هذيل ، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظة ، ألا ترى أن ( فطر ) معناها عند غير قريش ابتدأ خلق الشئ وعمله ، فجاءت في القرآن فلم تتجه لابن عباس رضي الله عنه حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، قال ابن عباس : ففهمت حينئذ موقع قوله تعالى : ( فاطر السماوات والأرض ) ( 1 ) ، وقال أيضا : ما كنت أدري معنى قوله : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا ) ( 2 ) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك ، أي أحاكمك ( 3 ) . وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان لا يفهم معنى قوله تعالى : ( أو يأخذهم على تخوف ) ( 4 ) فوقف به فتى فقال : إن أبي يتخوفني حقي ، فقال عمر : الله أكبر ، ( أو يأخذهم على تخوف ) ، أي على تنقص ( 5 ) لهم ، وكذلك اتفق لقطبة بن مالك ، إذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة :

--> ( 1 ) فاطر : 1 . ( 2 ) الأعراف : 89 . ( 3 ) وقال الفراء : أهل عمان يسمون القاضي : الفاتح . ( البحر المحيط ) : 5 / 115 ) ، تفسير سورة الأعراف : 89 . ( 4 ) النحل : 47 . ( 5 ) قاله ابن عباس ، ومجاهد والضحاك . وقال ابن قتيبة : يقال : خوفته وتخوفته ، إذا تنقصته وأخذت من ماله وجسمه ، وقال الهيثم بن عدي : هو النقص بلغة أزد شنوءة . وفي حديث لعمر أنه سأل عن التخوف ، فأجابه شيخ : بأنه التنقص في لغة هذيل . ( المرجع السابق ) : 6 / 535 ، تفسير سورة النحل : 47 .