المقريزي

233

إمتاع الأسماع

نعم ، فيه العام والخاص ، والمطلق والمقيد والمجمل والمبين ، والناسخ والمنسوخ ، ولا تناقض في شئ من ذلك ، ولكن الطاعنون في القرآن أخطأ ظنهم لجهلهم ، وقد ذكر مطاعنهم والجواب عنها جماعة من علماء الأمة ، كالإمام أحمد ابن حنبل في كتاب مفرد ، وأبي عبد الله محمد بن [ مسلم ] ( 1 ) بن قتيبة في أول [ كتاب ] ( 1 ) ( مشكل القرآن ) ، وغيرهما . وذهب النظام وبعض القدرية وطائفة أخرى ، إلى أن وجه الإعجاز هو المنع عن معارضته ، والصرفة عند التحدي بمثله ، وأن المنع والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن ، وذلك أن الله تعالى [ صرف ] ( 2 ) هممهم عن معارضته مع تحديهم أن يأتوا بسورة مثله بأن سلبوا العلوم التي كانوا بها يتمكنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك . ورد هذا المذهب بإجماع الأمة قبل حدوث هذا القول ، على أن القرآن هو المعجز ، فلو قلنا أن المنع والصرفة هو المعجز ، لخرج القرآن عن أن يكون معجزا ، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة ، إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه ، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم ، دل ذلك على أن مجرد المنع والصرفة لم يكن معجزا ، واختلف [ في ] ( 2 ) من قال بالصرفة على قولين . أحدهما : أنهم صرفوا عن القدرة على ولو تعرضوا له لعجزوا عنه . الثاني : أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم ، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه . وأنت إذا تأملت قوله تعالى : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) ( 3 ) وجدت فيها إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بتقرير معجزه وهو القرآن ، وتقرير الدليل أن محمدا لو لم يكن صادقا في دعوى النبوة لأمكنكم أن تعارضوا معجزه وهو القرآن ، ولو بسورة مثله ، لكن لا يمكنكم معارضته ، فيلزم أنه ليس بكاذب ، فهو إذا صادق .

--> ( 1 ) زيادة للسياق . ( 2 ) زيادة للسياق . ( 3 ) البقرة : 23 .