المقريزي

222

إمتاع الأسماع

فمدحهم الله بذلك في كتابه ، فقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عدة حواريين ، منهم الزبير . وقال : لكل نبي حواري ، وحواري الزبير ، على أن حواري عيسى كان مبلغهم في طاعته أن قالوا : [ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ] ( 1 ) ؟ . وكان لحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلوص الطاعة وصحة النية وحسن المؤازرة ، ومجاهدة النفوس في نصر نبيهم ، وتبجيلهم وتعظيمهم له ، ومعرفتهم بجلالته ما تقدم ذكره ، وسيأتي إن شاء الله ، لأن الله تعالى امتحن قلوبهم للتقوى ، فكانوا لا يحدون النظر إليه إعظاما له ، ولا يرفعون أصواتهم عليه إجلالا له ، ولا يتنخم نخامة إلا ابتدروها يتمسحون بها ، ولا سقطت شعرة إلا تنافسوا فيها ، حتى إن معاوية أوصى أن يدفن معه شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشرب عبد الله بن الزبير محجمة من دمه ، وكان حضر من [ جفاة ] الأعراب من لا يوقره استأذنوه في قتله ، وقد ذكرت ذلك كله بطرقه . وقد كان عيسى عليه السلام كثير السياحة ، جوابا للقفار والبراري فقد كان لنبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك ما هو أعظم وأفخم ، فإنه ساح في الأرض بأصحابه مجاهدا أعداء الله ، فاستنقذ في عشر سنين ما لا يعد من حاضر وباد ، وافتتح القبائل الكثيرة ، فأين سياحة عيسى ليخلوه بعبادة ربه ، من سياحة محمد المبعوث بالسيف المصلت على أعداء الله لإقامة دين الله ؟ فكان لا يداري لغيره بالكلام ، ويجاهد في الله ولا ينام إلا على دم ، ولا يستقر إلا متجهزا لقتال الأعداء أو باعثا إليهم سرية في إقامة الدين وإعلاء الدعوة وإبلاغ الرسالة صلى الله عليه وسلم . وقد كان عيسى زاهدا يتقنع من دنياه باليسير ، ويرضيه منها القليل ، فخرج من الدنيا كفافا لا له ولا عليه ، وقد كان لنبينا من مقام الزهد ما لا فوقه ، فإنه كانت له ثلاث عشرة زوجة سوى سراريه ، فما رفعت مائدته قط وعليها طعام ، ولا شبع من خبزين ثلاث ليال متتابعة ، وكان يربط الحجر على بطنه .

--> ( 1 ) المائدة : 112 .