المقريزي
203
إمتاع الأسماع
قوله : فرج سقف بيتي ، ولا أبلغ في المناجاة من ذلك ، فقد حمل عنه صلى الله عليه وسلم ألم الانتظار كما حمل عنه ألم الاعتذار في قول موسى عليه السلام : [ وعجلت إليك رب لترضى ] ( 1 ) . ولا شك أن في منحه هاتين الكرامتين مزيد اختصاص وأجل كرامة . وقد أتى موسى إلى فرعون بالعذاب الأليم ، من الجراد والقمل والضفادع والدم ، فقد أرسل الله سبحانه على قريش بتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الدخان ، فكان آية بينة ، ونعمة بالغة ، قال تعالى : [ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم ] ( 2 ) . ودعا رسول الله على قريش فابتلوا بالسنين ، وسيأتي ذلك إن شاء الله بطرقه . وقد أنزل الله تعالى على موسى وقومه المن والسلوى ، وظلل عليهم الغمام ، وقد أتى الله نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك ، فإن المن والسلوى رزق رزقهم الله كفاهم به السعي والاكتساب له ، وقد أحل الله لنبينا وأمته الغنائم التي [ كانت ] ( 3 ) محرمة على من قبلهم ، وجعلها منة باقية لهم إلى يوم القيامة ، وأي قدر للمن والسلوى في جنب غنائم كسرى وقيصر ، والجلالقة والقوط والقبط وغيرهم ممن غنم المسلمون أموالهم وديارهم ، وسبوا نساءهم وذراريهم ، ومع هذا كله فإن الله تعالى أعطى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من جنس ما أعطى موسى وقومه من ذلك ، فقذف لهم البحر لما كانوا مع أبي عبيدة في سرية - وقد أصابتهم المجاعة - حوتا يقال له : العنبر ، أكلوا منه ، وائتدموه نصف شهر بلا سعي ولا طلب . وكان صلى الله عليه وسلم يشبع النفر الكثير من الطعام القليل واللبن اليسير ، حتى يصيرون شباعا رواءا . وكان موسى عليه السلام تنقلب له عصاه ثعبانا تتلقف ما صنعت السحرة ، حتى استغاث فرعون بموسى وأخيه رهبة منه وفرقا . وقد أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم أخت هذه الآية بعينها ، [ وهي ] ( 4 ) أن جعل أبا جهل فرعون هذه الأمة احتمل حجرا ، وأقبل يريد أن يرضخ به النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة ، وقد عدت قريش ينتظرون ما يصنع ، فلما سجد صلى الله عليه وسلم ، احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه ،
--> ( 1 ) طه : 84 . ( 2 ) الدخان : 10 - 11 . ( 3 ) زيادة للسياق . ( 4 ) زيادة للسياق .