المقريزي

197

إمتاع الأسماع

وأما ذرية يعقوب عليه السلام الذين هم بنو إسرائيل فإن الله تعالى سخط عليهم بسوء أعمالهم ، وضرب عليهم الذلة والمسكنة ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ، وأنزل فيهم الكتاب ، وجعل منهم القردة والخنازير ، وقطعهم في الأرض أمما ، وجعل الذين اتبعوا الحق فوقهم إلى يوم القيامة ، فبان بهذا أن الذي آتاه الله تعالى من الخير لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أجل وأعظم مما أوتيه يعقوب عليه السلام ، وكذلك تميز نبينا صلى الله عليه وسلم على يعقوب في محنته ، وذلك أن كلا منها ابتلي بفقد ولده . فأما يعقوب فإنه حزن على فقد يوسف حتى كاد يكون حرضا من الحزن ، فإن حزنه كان حزن إيلاف ومضض واشتياق ووجد ، بدليل قوله : [ يا أسفي على يوسف ] ( 1 ) ، فأصابه بفقد ولد واحد من جملة اثنى عشر ولدا هذا الأسف ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم فجع بوحيده من الدنيا ، وقرة عينه في حياته فلم يجزع بل صبر واحتسب ، ووفي بصدق الاختيار ، مسلما إلى ما سبقت به الأقدار ، فقال صلى الله عليه وسلم وإنا عليك يا إبراهيم لمحزنون . فكان سلوكه صلى الله عليه وسلم في ذلك جميع أحواله منهج الرضا عن الله تعالى ، والاستسلام له فيما يقضي ويحكم ، ولم يتأسف ، بل واستسلم ، ففاق صبره صلى الله عليه وسلم على صبر يعقوب عليه السلام ، لفضل قوته وعلو مقداره ومكانته صلى الله عليه وسلم . * * *

--> ( 1 ) يوسف : 84 .