المقريزي
184
إمتاع الأسماع
ومحمد صلى الله عليه وسلم دعا ربه لما قحطت الأرض فهطلت السماء بدعائه بما منهمر ، أغاث الله به العباد والبلاد ، فكانت دعوته رحمة وغوثا للأنام ، كما كان صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وسيأتي خبر استسقائه بطرقه . وقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، يدعوهم ليلا ونهارا ، فلم يؤمن به إلا دون المائة ، ما بين رجل وامرأة ( 1 ) ، وهم الذين ركبوا معه السفينة ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كانت مدة دعائه الناس عشرين سنة ، فآمن به أمم لا يحصون ، ودانت له جبابرة [ الأرض ] ، خافت ملوكها ككسرى ملك فارس ، وقيصر ملك الروم ، والنجاشي ملك الحبشة ، والمقوقس ملك مصر ، وإقبال اليمن وملوك البحرين ، وحضر موت ، وهجر ، وعمان ، وغيرهم . ودانت له بحمل الأتاوة والجزية : أهل نجران ، وهجر ، وأيلة ، وأكيدر ، ودومة ، لما أيده الله تعالى به من الرعب الذي ينزله بقلوب أعدائه ، حتى فتح الفتوح الجليلة ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، فأتوا طائعين راغبين ، مصدقين له ، مؤمنين بما جاء به ، فأي كرامة أعظم ، وأي منزلة أرفع من هذا ؟ . وقد خص نوحا عليه السلام بأن نحله اسما من أسمائه تعالى فقال [ إنه كان عبد شكورا ] ( 2 ) ، وخص محمدا صلى الله عليه وسلم باسمين من أسمائه الحسنى ، جمعهما له ، ولم يشركه فيهما ( 3 ) أحد ، قال تعالى : [ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ] ( 4 ) . هذا مع ما خصه به تعالى من مزيد التشريف والتكريم ، حيث خاطبه بصفة من صفات الرفعة والشرف ، تقوم مقام الكنية ، إذا يقول تعالى مخاطبا له صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز : [ يا أيها النبي ] ( 5 ) ، [ يا أيها الرسول ] ( 6 ) ، [ يا أيها المدثر ] ( 7 ) ،
--> ( 1 ) قال تعالى : [ وما آمن معه إلا قليل ] [ هود : 40 ] ( 2 ) الإسراء : 3 . ( 3 ) هما رؤوف ، رحيم . ( 4 ) التوبة : 128 . ( 5 ) الأنفال : 64 ، 65 ، 70 ، التوبة : 73 ، الأحزاب : 1 ، 28 ، 45 ، 50 ، 59 ، الممتحنة : 12 ، الطلاق : 1 ، التحريم : 1 ، 9 . ( 6 ) المائدة : 41 ، 67 . ( 7 ) المدثر : 1 .