المقريزي
174
إمتاع الأسماع
وعدة هذه الأناجيل الأربعة تسعة آلاف واثنان وستون آية ، وليس أحد من النصارى يزعم أن هذه الأناجيل الأربعة منزلة من عند الله على المسيح ، ولا أن المسيح أتى بها ، بل كلهم يرى فيها ما قلنا . ولا يستريب عالم في أن التبديل والتحريف تطرق إلى لفظها إلى معناها ، وهذه الأناجيل الأربعة يخالف بعضها بعضا ومتناقضة ، كما ذكر فيها قصة صلب عيسى ، وكيف تكون في الإنجيل الذي أنزل الله على المسيح قصة صلبه وما جرى له ، وأنه أصابه كذا وكذا ، وصلب يوم كذا وكذا ، وقام من القبر ، وغير ذلك مما هو من كلام شيوخ النصارى . والإنجيل على قولهم نزل على المسيح قبل صلبه بزعمهم ، وغايته أن يكون من كلام الحواريين ثلاثة أناجيل ، وسموا الجميع إنجيلا وفيها ذكر القول ونقيضه ، فمنها أنه قال : إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق غير مقبولة ، ولكن غيري يشهد لي . وقال في موضع آخر : إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق ، لأني أعلم من أين جئت ، وإلى أين أذهب . ومنها أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال : جزعت نفسي الآن فماذا أقول يا أبتاه ، سلمني من هذا الموقف . ومنها أنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما وقال : يا إلهي ؟ لم أسلمتني ؟ فكيف تجمع هذا مع قولهم : إنه هو الذي اختار نفسه إلى اليهود يصلبوه ويقتلوه ، رحمة منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا ، وأخرج بذلك آدم ونوحا وإبراهيم موسى وجميع الأنبياء عليهم السلام ، من جهنم بالحيلة التي دبرها على إبليس . وكيف يبتلى إله العالم بذلك ، وكيف يسأل السلامة منه ، وهو الذي اختاره ورضيه ، وكيف يشتد صياحه ويقول : يا إلهي ؟ لم أسلمتني ؟ وهو الذي أسلم نفسه ، وكيف لم يخلصه أبوه مع قدرته على تخليصه ، وإنزال صاعقة على الصليب وأهله ؟ أم كان ربا عاجزا مقهورا مع اليهود ؟ جل الله عن قولهم . ولو أتينا بهم حرفوه في الإنجيل لأتينا به أو غالبه ، غير أن الله تعالى صرفهم عن بضع وثلاثين موضعا فيها بشارات بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما إليه ليكون حجة عليهم .