المقريزي
161
إمتاع الأسماع
وأما أن التوراة التي هي الآن بأيدي اليهود ليست التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام فاعلم أن توراة اليهود : بيد اليهود نسخة ، وبيد السامرية نسخة ، وبيد النصارى نسخة ، والنسخ الثلاث مختلفة في كثير من الأمور غير متوافقة ، وكل فرقة تحيل التحريف على غيرها ، فالتغيير لازم ، ويظهر عند التأمل أن التوراة التي بأيديهم الآن في مشارق الأرض ومغاربها قد زيد فيها وغيرت ألفاظ منها وبدلت ، وليست هي التوراة التي أنزلت على موسى ، لأن موسى عليه السلام صان التوراة عن بني إسرائيل خوفا من اختلافهم من بعده في تأويلها المؤدي إلى تفرقهم أحزابا وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوي . والدليل على ذلك قوله تعالى : [ يحرفون الكلم عن مواضعه ] ( 1 ) ، قيل : حرفوه بالتبديل ، وقيل : بالتأويل ، والحق : أنهم حرفوه بالأمرين ، ولعل اختلاف العبارتين في قوله : [ يحرفون الكلم عن مواضعه ] و [ من بعد مواضعه ] ( 2 ) إشارة إلى ذلك ، ويشبه أن تحريفه من بعد مواضعه بالتبديل ، وعن مواضعه بالتأويل ، لأن التبديل أخص التحريفين ، ومن بعد مواضعه أخص العبارتين ، فيجعل الأخص للأخص عملا بموجب المناسبة . وقد قال في التوراة : وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى الأئمة من بني لاوي وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم ، لأن الإمامة وخدمة القرابين والبيت المقدس كانت موقوفة عليهم ، ولم يبذل موسى عليه السلام من التوراة إلا نصف سورة ، وهي التي قال فيها : وكتب موسى هذه السورة وعلمها بني إسرائيل - هذا نص التوراة عندهم . قال : وتكون لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل ، فيها : قال الله : لأن هذه السورة لا تنسي من أفواه أولادهم ، وهذه السورة مشتملة على ذم طبائعهم ، وأنهم سيخالفون شرائع التوراة ، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك ، ويخرب ديارهم ، ويشتتون في البلاد .
--> ( 1 ) المائدة : 13 . ( 2 ) المائدة : 41 .