المقريزي

159

إمتاع الأسماع

أن عدد من مات منهم في الحصار ألف ألف ومائة ألف . وخرب المدينة والهيكل وأحرق الجميع بالنار ، وسار معه منهم نحو مائة ألف نفس ، فأفنى الجميع بأنواع القتل ، ولم يبق أحد منهم في بيت المقدس ، واشتد الأمر على من بقي منهم برومية ونحوها ، حتى لم يكن أحد منهم يظهر إلا قتل ، وتراجع منهم أناس إلى بيت المقدس فبعث إليهم ملك الروم جيشا قتل معظمهم ، ولم يبق منهم إلا من فر . ثم في سنة سبع وأربعين وأربع مائة للإسكندر أخرب ملك الروم ما بقي بالقدس من العمارة ، وقتل عامة من به من يهود ، و [ بنى ] عمودا على باب مدينة القدس ونقش عليه : هذه مدينة إليا ، ويعرف اليوم موضع هذا العمود بمحراب داود . ثم عمر القدس فقدم إليها عدة من اليهود فبعث إليهم ملك الروم عسكرا حصرهم حتى مات أكثرهم جوعا ، ثم أخذ المدينة وقتل معظم اليهود ، وخربها حتى بقيت صحراء . وتبع اليهود فاستأصل شأفتهم وأنزل اليونان بالقدس وذلك بعد تخريب طيطش بثلاث وخمسين سنة . ثم جمع اليهود رجل منهم فبعث ملك الروم جيشا فقتلوا أكثرهم . وفي سنة خمس وعشرون وخمسمائة للاسكندر وقعت حروب بين اليهود والسامرة قتل فيها من الفريقين ما يجل عن الوصف ، وفي قسطنطين الأكبر أمر أن لا يسكن يهودي الفرس وأدخل الجميع في دين النصرانية ، ثم امتحنهم يوم [ الفصح ] بأكل الخنزير فلم يأكلوه فقتلهم عن آخرهم . وما برحت ملوك النصارى بقتلهم أبرح قتل إلى أن كانت أيام هرقل وقد ظهر دين الإسلام فأوقع باليهود في سائر مملكته ببلاد الشام وأرض مصر وأفريقية وقسطنطينية وأعمالها ، وقتل جميعهم حتى لم يبق منهم إلا من اختفى أو فر . وقد أفردت في محن اليهود وما أنزل الله بهم من البلاء الذي تأذن في كتابه العزيز أن يكون عليهم إلى يوم القيامة جزاءا جمعته من كتبهم وكتب النصارى ، ليكون أعظم حجة عليهم ، فليث شعري ، أي تواتر يبقى مع هذه الرزايا المجيحة ، والدواهي المبيرة ، والمحن التي لا تبقي ولا تذر ، إلا أن القوم بهت ، وأكثر أصحابنا من الفقهاء