المقريزي

156

إمتاع الأسماع

ألا ترى أن تحريم السبت لو كان حراما على نوح وإبراهيم وسائر النبيين ، وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها ، لو كان حراما لعينه وذاته لوجب تحريمه على كل نبي وفي كل شريعة ، وإذا كان الله تعالى لا حجر عليه بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ويبتلي عباده بما شاء ، ويحكم ولا يحكم عليه ، فما الذي يحمل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة ثم ينهى أمة أخرى عنه ، أو يحرم على أمة شيئا ويبيحه لأمة أخرى ، بل أي شئ يمنعه تعالى ؟ . ذلك بقوله : [ ما ننسخ من آية أو [ ننساها ] ( 1 ) نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ] ( 2 ) ، فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء ، كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء ويثبت ، فهكذا أحكامه الدينية الأمرية ينسخ منها ما يشاء ويثبت ما يشاء ، فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم أن يعارض الرسول الذي جاء بالبينات والهدى ، ويدفع نبوته ويجحد رسالته بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله ، أو بتحريم بعض ما كان مباحا لهم ، ومن العجب أن اليهود تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه ، وفي توراتهم أن الله - تعالى عن قولهم - يأسف على خلقه الإنسان لأفكارهم الخبيثة ، فخلقه أن يبيدهم فأبادهم . ثم لما أرسل الطوفان أسف وندم وقال : ما عدت أهلك الخلق به مرة أخرى ، فمن يندم ويتأسف كيف يمتنع عليه البداء على قولهم ؟ وهم قد تركوا شريعة موسى عليه السلام في أكثر ما هم عليه ، وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم ، فمن ذلك : أنهم يقولون في صلواتهم ما هذه ترجمته : اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك ، سبحانك يا جامع شتات قومه إسرائيل . ويقولون كل يوم ما ترجمته : أردد حكامنا كالأولين ، وسيرتنا كالابتداء ، وابن أورشليم قرية قدسك وعزنا ببناها ، سبحانك يا باني يورشليم . فهذه أقوالهم في صلواتهم مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا شيئا من ذلك ، ولكنها فصول لفقت بعد زوال دولتهم .

--> ( 1 ) كذا في ( خ ) ، وهي رواية ورش عن نافع . ( 2 ) البقرة : 106 .