المقريزي

154

إمتاع الأسماع

فإن قالوا أغنانا عدمه عن فعله قيل لهم : قد تبدل الحكم الشرعي من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة التعذر ، وكذلك يتبدل الحكم الشرعي من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة التعذر بنسخه لمصلحة النسخ ، فإنكم إن بنيتم على اعتبار المصالح والمفاسد في الأحكام فلا ريب أن الشئ قد يكون مصلحة في وقت دون وقت ، وفي شريعة دون أخرى ، كما كان تزوج الأخ بالأخت مصلحة في شريعة آدم عليه السلام ، ثم صار مفسدة في سائر الشرائع ، وكذلك إباحة العمل يوم السبت ، كان مصلحة في شريعة إبراهيم عليه السلام ومن قبله ، وإن مفسدة في شريعة آدم عليه السلام ، وأمثال ذلك ذلك كثيرة . وبالجملة فالتحليل والتحريم تبع مشيئة الله الذي لا يسأل عما يفعل ، فإن قالوا : لا نستغني في الطهارة عن الطهور الذي كان عليه أسلافنا ، فقد أقروا بأنهم الأنجاس أبدا ، ولا سبيل لهم إلى حصول الطهارة ، فإن أقروا بذلك قيل لهم : فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام اعتزالا تخرجون فيه عن الحد بحيث أن أحدكم إذا لمس ثوبه ثوب المرأة تجنبتموه مع ثوبه ؟ . فإن قالوا : كل ذلك من أحكام التوراة ، قيل لهم : أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة ؟ فإذا كانت الطهارة قد تعذرت عندكم ، والنجاسة التي أنتم عليها لا ترتفع بالغسل فهي إذا أشد من نجاسة الحيض ، ثم إنكم ترون أن الحائض طاهرا إذا كانت من غير ملتكم ولا تنجسون من لمسها ولا الثوب الذي لمسته ، فتخصيص هذا الأمر بطائفتكم ليس في التوراة منه شئ ، وهذا الفصل مما يحتاج إليه . فافرض أن يهوديا رام مناظرتك أو رمت مناظرته فإنك لم تعلم حقيقة ما هو عليه وما تبطل به قوله من كتابه ، وإلا تسلط عليك وتوجهت الملامة من الله ورسوله إليك ، فإن قال بعض اليهود التوراة قد حظرت أمورا كانت متاحة من قبل ولم تأت بإباحة محظور ، والنسخ الذي ننكره ونمنع منه هو ما أوجب إباحة محظور ، لأن تحريم الشئ إنما هو لأجل ما فيه من المفسدة ، فإذا جاءت شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها ومقرراتها ، فإذا جاء من إباحة علمنا بإباحته المفسدة أنه غير نبي ، بخلاف تحريم ما كان مباحا ، فإنا نكون متعبدين بتحريمه وشريعتكم وردت بإباحة أشياء كثيرة مما حرمته التوراة ، مع أنه إنما حرمه الله لما فيه من المفسدة قيل له :