المقريزي

142

إمتاع الأسماع

الحجة الثانية محمد صلى الله عليه وسلم إما ملك ما حق أو نبي صادق ، ولكنه ليس ملكا ما حقا ، فهو نبي صادق ، وإنما قلنا : إما ملك أو نبي لأنه لا قائل بقول ثالث ، إذ الخصم وهو اليهود والنصارى - خزاهم الله - يزعمون أن رب العالمين - تعالى عن قولهم - أرسل ملكا ظالما فادعى النبوة وكذب على الله ، ومكث زمنا طويلا يقول : أمرني بكذا ونهاني عن كذا ، ويستبيح دماء أولياء الله وأبنائه وأحبائه ، والرب تعالى يظهره ويؤيده ، ويقيم الأدلة والمعجزات على صدقه ، ويقبل بقلوب الخلق وأجسادهم إليه ، ويقيم دولته على الظهور والريادة ، ويذل أعداؤه أكثر من ثماني مائة سنة ، وهذا منهم غاية في الرب - تعالى عن قولهم - . ونحن نقول : إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان نبيا صادقا مؤيدا من الله تعالى ، فقام ناموسه بالتأييد الإلهي . وإنما قلنا : أنه ليس ملكا بل نبي صادق لأنا علمنا بالاستقراء التام والتواتر القاطع أن ملكا من ملوك الدنيا لم يبق ناموسه بعده بل سيفنى بموته ، وإنما تبقى نواميس الأنبياء بعدهم ، ثم ناموس محمد صلى الله عليه وسلم باقيا بعده زيادة عن ثماني مائة سنة ، فعلمنا أنه من الأنبياء لا من الملوك . * * *