المقريزي
103
إمتاع الأسماع
فصل في رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم قبل النبوة إعلم أن في رعي البهائم العجم التي لا تعقل ولا تعرب عن نفسها ، رياضة لحمل أعباء النبوة ، فإن راعيها يسوسها ويحوطها من المتالف المخوفة ، كالجوع والعطش والسباع ، ويكف عادية قويها عن ضعيفها في منعها الرعي في مراتعها ، وشرب الماء من مواردها ، وإن القيام بذلك لسياسة يصعب معاناتها ، ويشق على النفوس ملازمتها . فإذا مرن الإنسان عليها وتهذبت بها أخلاقه ، وصارت سيرة العدل والإحسان ملكة له ، تأهل لسياسة العقلاء من البشر بحسن التدبير لهم ، وإرشادهم إلى مصالحهم والأخذ بحجزاتهم عما يؤذيهم ، والصبر على أذاهم ، واحتمال الأفعال عنهم . ولهذا - والله أعلم - كانت الأنبياء صلوات الله عليهم رعاة البهائم أولا ، حكمة من الله سبحانه لتتهذب أخلاقهم برعايتها ، وتتهذب نفوسهم بسياستها ، رياضة لقيامهم بأعباء النبوة ، وصبرهم على ما يلقون فيها من مصاعب تكذيب المكذبين ، ومشقات أذى المخالفين ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم . خرج البخاري من حديث عمرو بن يحيى عن جده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم ، فقال أصحابه : وأنت ؟ قال : نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ، ترجم عليه باب رعي الغنم على قراريط ( 1 ) . وخرج النسائي من حديث خالد عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابن حزن
--> ( 1 ) ( إمتاع الأسماع ) بتحقيقنا : 1 / 16 .