السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
57
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل
في المعاني وقد يقال التّفسير يتعلّق بالمحكمات كما انّ التّاويل يتعلّق بالمتشابهات وقد يقال انّ التّفسير بالرّواية والتّأويل بالدّراية وقيل انّ التّفسير بيان الظّاهر والتّاويل كشف السّرائر إلى غير ذلك من التّفاسير المختلفة الّتى لا شاهد على كثير منها مع امكان ارجاع بعضها إلى بعض قوله هو الاعتبار العقلىّ الظّنىّ اه أقول فيكون المراد من التّفسير بالرّأى هو التّفسير بمقتضى هوى النّفس وميل الطّبع لتصحيح غرضه ومدّعاه كالّذى يحتجّ ببعض آيات القرآن على بدعته أو مقصده وهو يعلم انّه ليس المراد بالآية ذلك ولكن يلبّس على خصمه كاستدلال المجسّمة بمثل قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ونحوهما وهذا قد يكون مع العلم كما مر وقد يكون مع الجهل فيميل فهمه إلى الوجه الّذى يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسّر القرآن برأيه اى رايه هو الّذى حمله على ذلك التّفسير ولولا رايه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه ولا فرق في ذلك بين ان يكون الغرض المستدلّ عليه والمطلب المتمسّك فيه فاسدا كما أشرنا أو صحيحا ولم يرد من الآية كتفسير قوله تعالى اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * بالامر بمجاهدة القلب ومنازعة النّفس وهذا القسم قد يستعمله بعض الوعّاظ في المقاصد الصّحيحة تحسينا للكلام وتزيينا للمرام وقد يستعمله الباطنيّة في المقاصد الباطلة لتضليل النّاس ودعوتهم إلى طريقهم الفاسد ومذهبهم الكاسد فينزلون القرآن على وفق رأيهم وأقبح وجوه هذا النّوع من التّفسير ما يشتمل على التّصرّف في اللّفظ والمعنى جميعا مثل ما نقله الفاضل السّيوطى في الاتقان من انّ رجلا ممّن يدعى الباطن قال في قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ انّ معناه من ذل اى من الذلّ ذي إشارة إلى النّفس يشف من الشّفا جواب من ع امر من الوعي وأولع النّاس إلى هذه الطّريقة الصّوفية المسمّون أنفسهم بالباطنيّة وقد نقل الفاضل السّيوطى في الكتاب المذكور عن بعضهم انّ من جملة التّفاسير الّتى صنفها أهل البدع والأهواء وفسّروا القرآن فيها بآرائهم تفسير عبد الرّحمن بن كيسان الأصمّ والجبائي وعبد الجبار والرّمانى والزّمخشرى وأمثالهم ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة يدسّ البدع في كلامه وأكثر النّاس لا يعلمون كصاحب الكشّاف ونحوه قوله وامّا الحمل على ما يظهر له في بادي الرّأي اه أقول توضيحه انّ المراد بالتّفسير بالرّاى هو التّفسير بظاهر العربيّة من غير استظهار بالأدلّة العقليّة والقرائن النّقليّة فيما يتعلّق بغرائب القرآن وما فيه من الالفاظ المبهمة وما فيه من الحذف والإضمار والتّقديم والتّأخير وفيما يتعلّق بالنّاسخ والمنسوخ والخاصّ والعامّ والرّخص والعزائم والمحكم والمتشابه إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف فلا ريب في انّ من بادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسّر بالرّاى ومن هنا ذكر بعض أهل التّحقيق انّ النّقل والسّماع ممّا لا بدّ منه في ظاهر التّفسير اوّلا ليتقى مواضع الغلط ثمّ بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط وما لا بدّ فيه من السّماع فنون كثيرة منها ما كان مجملا لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصّلا مثل قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ * وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ فانّه يحتاج فيه إلى بيان النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله حتّى يتبيّن تفصيل اعداد الرّكعات وكميّة الأجزاء والشّرائط ومقادير النّصب وغيرها في الزّكاة فالشّروع في بيان ذلك من غير نصّ ممنوع منه ومنها الإيجاز بالحذف والإضمار كقوله تعالى وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها فالنّاظر بظاهر العربيّة يزعم انّ المراد به انّ النّاقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء ولا يدرى انّهم إذ ظلموا ظلموا أنفسهم أو غيرهم ومنها المقدّم والمؤخّر كقوله تعالى وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى معناه ولولا كلمة سبقت من ربّك واجل مسمّى لكان لزاما إلى غير ذلك ممّا ذكر في كتب التّفسير بقي الأشكال في الخبر العامي المذكور في المتن اعني قوله صلّى اللّه عليه وآله من فسّر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ فانّ ظاهره مخالف للقواعد فانّا لو فرضنا شخصا فسّر قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بمقتضى رايه من دون استناد إلى شاهد ودليل فاتّفق مصادفته للحقيقة الواقعيّة من توحيد اللّه تعالى فلا شكّ في انّه مصيب في المقصود وان أخطأ في تفسيره بالرّاى وظاهر الرّواية يفيد خلاف ذلك فيظهر من بعض علماء العامّة انّ الرّواية ليست بصحيحة وقال الفاضل البيهقي منهم بعد ذكرها انّ صح أراد واللّه اعلم الرّأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه وامّا الّذى يشده برهان فالقول به جائز ولم يلتفت إلى ما التفتنا اليه من الأشكال وذكر بعضهم انّ المراد فقد أخطأ الطّريق فسبيله ان يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللّغة وفي معرفة ناسخه ومنسوخه وسبب نزوله وما يحتاج فيه إلى بيانه إلى اخبار الصّحابة الّذين شاهدوا تنزيله وأدوا الينا من السّنن ما يكون بيانا لكتاب اللّه تعالى قال عزّ وجلّ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وبالجملة المراد هو الخطأ في الطّريق وهو لا ينافي إصابة الواقع قوله مثل خبر الثّقلين المشهور اه أقول بل المتواتر في كلّ من الطّريقين على ما ادّعاه بعض الأعلام وعلى فرض عدمه لا شكّ في كونه متلقى بالقبول عند الأمّة قال السّيّد المرتضى ره في الشّافى على ما حكى عنه بعد نقله انّ الأمّة تلقت له بالقبول وانّ أحدا منهم مع اختلافهم في تأويله لم يخالف في صحّته وهذا يدلّ على انّ الحجّة قامت به في أصله وانّ الشّكّ مرتفع فيه ومن شأن علماء الأمّة إذا ورد عليهم خبر مشكوك في صحّته ان يقدّموا الكلام في أصله وانّ الحجة به غير ثابتة ثمّ يشرعوا في تأويله فإذا رأينا جميعهم عدل عن هذه الطّريقة في هذا الخبر وجملة كلّ واحد منهم على ما يوافق طريقته ومذهبه دل ذلك على صحّة ما ذكرناه قوله وقوله عليه السّلم لما قال زرارة اه أقول في العلل وتفسير العيّاشىّ عن زرارة قال قلت لأبي جعفر عليهما السّلم الا تخبرني من اين علمت وقلت انّ المسح ببعض الرّأس وبعض الرّجلين فضحك عليه السّلم وقال يا زرارة قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ونزل به الكتاب من اللّه تعالى كان اللّه تعالى يقول فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فعرفنا انّ الوجه كلّه ينبغي ان يغسل ثمّ قال وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ فوصل اللّه اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا انه ينبغي لهما ان يغسلا إلى المرفقين ثمّ فصل بين الكلامين فقال وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فعرفنا