المقريزي
98
إمتاع الأسماع
ومسلم ( 1 )
--> ( 1 ) قال المقريزي - رحمه الله - بعد أن ساق هذا الحديث : " اللفظ لمسلم " ، ولفظ مسلم : " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو عامر الأشعري ، ومحمد بن العلاء ( واللفظ لأبي عامر ) ، قالوا : حدثنا أبو أسامة ، عن بريد عن أبي بردة ، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن مثل ما بعثني به الله عز وجل من الهدى والعلم ، كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا منها ، وسقوا ، ورعوا ، وأصاب طائفة منها أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماءا ، ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه بما بعثني الله به ، فعلم ، وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " . ( مسلم بشرح النووي ) : 16 / 51 - 53 ، كأب الفضائل ، باب ( 5 ) ، بيان مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم ، حديث رقم ( 2282 ) . أما الغيث فهو المطر ، وأما العشب والكلأ والحشيش ، فكلها أسماء للنبات كلن الحشيش مختص باليابس والرطب . وقال الخطابي وابن فارس : الكلأ يقع على اليابس ، وهذا شاذ ضعيف . وأما الأجادب - فبالجيم والدال المهملة - وهي الأرض التي تنبت كلأ . وقال الخطابي هي الأرض التي تمسك الماء ، فلا يسرع فيه النضوب . قال ابن بطال ، وصاحب المطالع ، وآخرون : هو جمع جدب ، على غير قياس ، كما قالوا في حسن : جمعه محاسن ، والقياس : أن محاسن جمع محسن ، وكذا قالوا : مشابه جمع شبه ، وقياسه : أن يكون جمع مشبه ، قال الخطابي : وقال بعضهم : أحادب - بالحاء المهملة والدال - قال : وليس بشئ . قال : وقال بعضهم : أجارد - بالجيم والراء والدال - . قال : وهو صحيح المعنى . قال الأصمعي : الأجارد من الأرض ما لا ينبت الكلأ ، معناه : أنها جرداء هزرة ، لا يسترها النبات ، قال : وقال بعضهم : إنما هي أخاذات - بالخاء والذال المعجمتين وبالألف - وهو جمع أخاذة ، وهي الغدير الذي يمسك الماء . وذكر صاحب ( المطالع ) هذه الأوجه التي ذكرها الخطابي ، فجعلها روايات منقولة . وقال القاضي في ( الشرح ) : لم يرد هذا الحرف في مسلم ولا في غيره ، إلا بالدال المهملة من الجدب ، الذي هو ضد الخصب . قال : وعليه شرح الشارحون . وأما القيعان فبكسر القاف - جمع القاع ، وهو الأرض المستوية ، وقيل : الملساء ، وقيل : التي لا نبات فيها ، وهذا هو المراد في هذا الحديث ، كما شرح به صلى الله عليه وسلم ، ويجمع أيضا على أقوع ، وأقواع ، والقيعة - بكسر القاف - بمعنى القاع . قال الأصمعي : قاعة الدار : ساحتها . وأما الفقه في اللغة فهو الفهم . يقال منه : فقه - بكسر القاف - يفقه فقها ، بفتحها كفرح يفرح فرحا ، وقيل : المصدر فقها - بإسكان القاف - وأما الفقه الشرعي ، فقال صاحب ( العين ) ، والهروي ، وغيرهما : يقال منه فقه - بضم القاف - وقال ابن دريد : بكسرها كالأول . والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم : " فقه في دين الله " . هذا الثاني ، فيكون مضموم القاف على المشهور ، وعلى قول ابن دريد بكسرها ، وقد روى بالوجهين ، والمشهور الضم . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء " ، فهكذا هو في جميع نسخ مسلم " طائفة طيبة " . ووقع في البخاري : " فكانت منه نقية قبلت الماء " - بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مشددة - وهو بمعنى طيبة ، هذا هو المشهور في روايات البخاري . ورواه الخطابي وغيره : " ثغبة " - بالثاء المثلثة والغين المعجمة والباء الموحدة - قال الخطابي : وهو مستنقع الماء في الجبال والصخور ، وهو الثغب أيضا ، وجمعه ثغبان . قال القاضي وصاحب ( المطالع ) : هذه الرواية غلط من الناقلين وتصحيف ، وإحالة للمعنى ، لأنه إنما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلا لما ينبت ، والثغبة لا تنبت . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " وسقوا " فقال أهل اللغة : سقى وأسقى : بمعنى لغتان ، وقيل : سقاه : ناوله ليشرب ، وأسقاه : جعل له سقيا . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " ورعوا " فهو بالراء من الرعى ، هكذا هو في جميع نسخ مسلم ، ووقع في البخاري " وزرعوا " ، وكلاهما صحيح ، والله تعالى أعلم . أما معاني الحديث ومقصوده : فهو تمثيل الهدى الذي جاء به صلى الله عليه وسلم بالغيث ، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع ، وكذلك الناس : فالنوع الأول ، من الأرض ينتفع بالمطر ، فيحيى بعد أن كان ميتا وينبت الكلأ ، فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها ، وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم ، فيحفظه ، فيحيا قلبه ، ويعمل به ، ويعلمه غيره ، فينفع وينفع . والنوع الثاني ، من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها ، لكن فيها فائدة ، وهي إمساك الماء لغيرها ، فينتفع بها الناس والدواب ، وكذا النوع الثاني من الناس ، لهم قلوب حافظة ، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة ، ولا رسوخ لهم في العقل ، يستنبطون به المعاني والأحكام ، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به ، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج ، متعطش لما عندهم من العلم ، أهل للنفع والانتفاع ، فيأخذه منهم ، فينتفع به ، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم . والنوع الثالث ، من الأرض السباخ ، التي لا تنبت ، ونحوها ، فهي لا تنتفع بالماء ، ولا تمسكه لينتفع بها غيرها ، وكذا النوع الثالث من الناس ، ليست لهم قلوب حافظة ، ولا أفهام واعية ، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ، ولا يحفظونه لنفع غيرهم ، والله تعالى أعلم . وفي هذا الحديث أنواع من العلم ، منها : ( 1 ) ضرب الأمثال . ( 2 ) فضل العلم والتعليم . ( 3 ) شدة الحث عليهما . ( 4 ) ذم الإعراض من العلم . والله تعالى أعلم . ( المرجع السابق ) .