المقريزي
96
إمتاع الأسماع
فأما أنه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فقد قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ( 1 ) ، وذلك أن أعداءه أمنوا من العذاب مدة حياته ، قال تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) ( 2 ) ، فلم يعذبهم الله تعالى حتى ذهب عنهم إلى ربه ، فأنزل بهم ما أوعدهم من قبل وأشد ، وذلك قوله تعالى : ( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ) ( 3 ) . خرج الحرث بن أبي أسامة من حديث علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعثني الله رحمة وهدى للعالمين ، وهو هدى الدعاء والبيان . ورواه محمد بن إسحاق من حديث الفرح بن فضالة عن علي بن يزيد به ولفظه : إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين ، وهو هدى التعريف والاستهداء . وقال يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله ، ألا تدعو على المشركين ؟ قال : إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا ، فإن قيل : كيف يكون رحمة للعالمين وقد أنزل بمن عاداه الذل والصغار ، فحطم بعد الرفعة ، وأهانهم بعد المنعة ، وصيرهم بعد الملك إلى الهلك ، بأن حوى أموالهم ، وسبى حريمهم ، وملك معاقلهم ، وقتل حماتهم ، ثم إن أصحابه من بعده دوخوا ممالك الأرض بدعوته ، فاجتاحوا العرب من بني حنيفة وغيرهم عند ارتدادهم عن ملته ، ومزقوا ملك كسرى وملك فارس ، وأذلوا الفرس ، وشردوا قيصر ملك الروم عن الشام والجزيرة ، وقتلوا الروم والفرس أبرح قتل ، وغلبوا قبط مصر وجبروهم أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون بعد ما ملكوا ديارهم وأموالهم
--> ( 1 ) الأنبياء : 107 . ( 2 ) الأنفال : 33 . ( 3 ) الزخرف : 41 .