المقريزي
40
إمتاع الأسماع
ولأبي يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد بن سلمة ، حدثنا عاصم عن زر عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت جبريل عند السدرة وله ستمائة جناح ينتشر من ريشه تهاويل الدر والياقوت ، قال أبو نعيم : رواه عن عاصم مثله مرفوعا زائدة وحسين بن واقد . ورواه شريك وغيره موقوفا على عبد الله . وقال أبو وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل في خضر معلقا به الدر ، وزاد عاصم : وله ستمائة جناح ( 1 ) . وخرج أبو نعيم من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني وآدم عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله ( ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ) ( 2 ) قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته عند السدرة له ستمائة جناح ، جناح منها سد الأفق تتناثر من أجنحته التهاويل الدر والياقوت ما لا يعلمه إلا الله ( 3 ) .
--> ( 1 ) هذا الحديث أخرجه ( البخاري ) في كتاب التفسير ، باب ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) ، الحديث رقم ( 4857 ) : حدثنا طلق بن غنام ، حدثنا زائدة عن الشيباني قال : " سألت زرا عن قوله تعالى : ( فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ) قال : أخبرنا عبد الله أنه محمد صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح . قوله : " أنه محمد " ، الضمير للعبد المذكور في قوله تعالى : ( إلى عبده ) ووقع عند أبي ذر " أن محمدا رأى جبريل " وهذا أوضح في المراد ، والحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم هو جبريل ، كما ذهبت إلى ذلك عائشة ، والتقدير على رأيه فأوحى ، جبريل ، إلى عبده ، أي عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه يرى أنه الذي دنا فتدلى هو جبريل ، وأنه هو الذي أوحى إلى محمد . وكلام أكثر المفسرين من السف يدل على أن الذي أوحى هو الله ، أوحى إلى عبده محمد ، ومنهم من قال : إلى جبريل . قوله : " له ستمائة جناح " : زاد عاصم عن زر في هذا الحديث " يتناثر من ريشه التهاويل من الدر والياقوت " . أخرجه النسائي وابن مردويه ، ولفظ النسائي : " يتناثر منها تهاويل الدر والياقوت " . ( المرجع السابق ) . ونحوه في كتاب بدء الخلق ، باب ( 7 ) حديث رقم ( 3232 ) . ( المرجع السابق ) : 6 / 385 . ( 2 ) الآية : 14 / النجم . ( 2 ) الآية : 14 / النجم . ( 3 ) أخرج البخاري نحوه في كتاب التفسير ، باب ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ، حديث رقم ( 4858 ) : حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان عن الأعمش ، عن إبراهيم عن علقمة ، " عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) قال : رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق " . قوله : " رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق " ، هذا ظاهره يغاير التفسير السابق أنه رأى جبريل ، ولكن يوضح المراد ، أخرجه النسائي والحاكم ، عن طريق عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود قال : أبصر نبي الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض ، فيجتمع من الحديثين أن الموصوف جبريل ، والصفة التي كان عليها . وقد وقع في رواية محمد بن فضيل عند الإسماعيلي ، وفي رواية ابن عيينة عن النسائي ، كلاهما عن الشيباني عن زر عن عبد الله ، أنه رأى جبريل له ستمائة جناح قد سد الأفق ، والمراد أن الذي سد الأفق الرفرف الذي فيه جبريل ، فنسب جبريل إلى سد الأفق مجازا . وفي رواية أحمد والترمذي ، وصححها من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رأى جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض ، وبهذه الرواية يعرف المراد بالرفرف وأنه حلة ، ويؤيده قوله تعالى : ( متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ) [ الآية 76 / الرحمن ] ، وأصل الرفرف ما كان من الديباج ، رقيقا حسن الصنعة ، ثم اشتهر استعماله في الستر ، وكل ما فضل من شئ فعطف وثنى فهو رفرف . ويقال : رفرف الطائر بجناحه إذا بسطهما ، وقال بعض الشراح : يحتمل أن يكون جبريل بسط أجنحته فصارت تشبه الرفرف ، كذا قال ، والرواية التي أوردتها توضح المراد . ( فتح الباري ) : 8 / 786 ، 787 . ومن أحاديث الباب ما رواه الإمام مسلم في صحيحه ، في كتاب الإيمان ، باب ( 77 ) معنى قول الله عز وجل : ( ولقد رآه نزلة أخرى ) ، وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء ، حديث رقم 287 ( 177 ) : " حدثني زهير بن حرب ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود عن الشعبي ، عن مسروق قال : كنت متكئا عند عائشة فقالت : ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية ، قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، قال : وكنت متكئا فجلست ، فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ، ألم يقل الله عز وجل : ( ولقد رآه بالأفق المبين ) ، ( ولقد رآه نزلة أخرى ) ، فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما هو جبريل ، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين : رأيته منهبطا من السماء ، سادا عظم خلقه ما ين السماء إلى الأرض ، فقالت : أو لم تسمع أن الله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) ؟ أو لم تسمع أن الله يقول : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ) ؟ قالت : ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ، والله يقول : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) ؟ قالت : ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ، والله يقول : ( لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) . ( مسلم بشرح النووي ) : 3 / 10 - 12 . وأخرج ابن حبان في صحيحه ، باب : ذكر رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم جبريل بأجنحته ، حديث رقم ( 6427 ) أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة عن الشيباني ، قال : " سألت زر بن حبيش عن هذه الآية : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) [ 18 / النجم ] قال : قال عبد الله : رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح " . وقال في هامشه : إسناده صحيح على شرط الشيخين . والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان . ( الإحسان ) : 14 / 336 .