المقريزي
381
إمتاع الأسماع
لأهل مكة من طب ورفق وعلم ، وكان يلزم صومعة له ، ويدخل مكة في كل سنة فيلقي الناس ويقول : يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة ، يدين له العرب ويملك العجم ، هذا زمانه فمن أدركه واتبعه أصاب حاجته ، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته ، وتالله ما تركت الحمر والحمير [ والأمي ] ( 1 ) ، ولا حللت بأرض الجوع والبؤس والخوف إلا في طلبه . فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول : ما جاء بعد ، فيقال له : فصفه ، فيقول : لا ، ويكتم ذلك للذي قد علم أنه لا نبي من قومه مخافة على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يفضي إليه من الأذى يوما . ولما كان ظهور اليوم الذي ولد فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى ( عصيا ) فوقف في أصل صومعته ثم نادى : يا ( عصيا ) ، فناداه : من هذا ؟ فقال : أنا عبد الله ، فأشرف عليه فقال : كن أباه ، فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عليه يوم الاثنين ، ويبعث يوم الاثنين ، ويموت يوم الاثنين . قال : فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود ، قال : فما سميته ؟ قال : محمدا ، قال : والله لقد كنت أشتهي أن يكون فيكم هذا المولود أهل البيت لثلاث خصال بها نعرفه ، فقد أتى عليه منها أن نجمه طلع البارحة ، وأنه ولد اليوم ، وأن اسمه محمدا ، انطلق إليه فإن الذي كنت أحدثكم عنه ابنك . قال : فما يمنعك أن تأتيني ؟ ولعله لن يولد يومنا هذا مولودون عدة ، قال : قد وافق ابنك الاسم ، ولم يكن الله يشبه علمه على العلماء لأنه حجة ، وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي أياما ثلاثة ، يظهر الوجع ثم يعافي ، فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد حسده أحد قط ، ولم يبغ على أحدكما يبغي عليه ، وإن تعش حتى تبدو معالمه ثم يدعو يظهر لك من قومك ما لا يحتمله إلا على ذل ، فاحفظ لسانك ودار عنه . قال : فما عمره ؟ قال : إن طال عمره أو قصر لم يبلغ السبعين ، يموت في وتر دونها من السنين ، في إحدى وستين أو ثلاث وستين ، أعمار جل أمته ، قال :
--> ( 1 ) كذا في ( خ ) .