المقريزي
237
إمتاع الأسماع
وله من حديث أبي عوانة عن أبي بشير ، عن سعيد عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أنا سيد ولد آدم . وله من حديث أحمد بن أبي ظبية عن أبيه عن عبد الله بن جابر عن عطاء عن أم كرز أنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أنا سيد المؤمنين إذا بعثوا ، وسابقهم ( 1 ) ، إذا وردوا ، ومبشرهم إذا أبلسوا ( 2 ) ، وإمامهم إذا سجدوا ، وأقربهم مجلسا من الرب تعالى إذا اجتمعوا ، [ أقوم ] ( 3 ) ، فأتكلم فيصدقني ، وأشفع فيشفعني ، وأسأل فيعطيني ( 4 ) . وله من حديث الحرث بن أسامة قال : حدثنا عبد العزيز بن إبان ، حدثنا إسرائيل عن آدم بن علي قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنه يقول : تصير الأمم يوم القيامة تجئ كل أمة نبيها فيرقاهم على كوم فيقول : يا فلان إشفع ، فيردها بعضهم إلى بعض حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المقام المحمود الذي قال الله تعالى عنه : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ( 5 ) .
--> ( 1 ) كذا في ( خ ) : وفي ( الخصائص ) : 3 / 222 ، وفي ( دلائل أبي نعيم ) : " وسائقهم " . ( 2 ) أبلسوا : أسكتوا من الحزن ، ومنه إبليس لعنه الله ، وفي التنزيل : ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ) ، ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) ، ( حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون ) ، ( لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ) ، ( وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ) [ 12 : الروم ] ، [ 44 : الأنعام ] ، [ 77 : المؤمنون ] ، [ 75 : الزخرف ] ، [ 49 : الروم ] على الترتيب . ( 3 ) في ( خ ) : " أقول " ، وما أثبتناه من رواية أبي نعيم . ( 4 ) أخرجه أبو نعيم في ( دلائل النبوة ) : 1 / 67 ، الفصل الرابع ، ذكر الفضيلة الرابعة بإقسام الله تعالى بحياته ، وتفرده بالسيادة لولد آدم في القيامة ، وما فضل به هو وأمته على سائر الأنبياء وجميع الأمم صلى الله عليه وسلم ، حديث رقم ( 29 ) . وقال السيوطي في ( الخصائص ) : 3 / 222 " أخرجه أبو نعيم عن أم كرز " . ( 5 ) 79 : الأسراء ، و ( عسى ) ، مدلولها في المحبوبات الترجي ، فقيل : هو على بابها في الترجي تقديره لتكن على رجا من أن ( يبعثك ) . وقيل هي بمعنى كي ، وينبغي أن يكون هذا تفسير معنى . والأجود أن هذه الترجية والإطماع بمعني الوجود من الله تعالى ، وهو متعلق من حيث المعنى بقوله : ( فتهجد ) . و ( عسى ) هنا تامة ، وفاعلها ( أن يبعثك ) ، و ( ربك ) فاعل ببعثك ، و ( مقاما ) الظاهر أنه معمول ليبعثك ، هو مصدر من غير لفظ الفعل ، لأن يبعثك بمعنى يقيمك ، تقول : أقيم من قبره ، وبعث من قبره . وقال ابن عطية : منصوب على الظرف أي في مقام محمود . وقيل : منصوب على الحال ، أي ذا مقام محمود . وقيل : هو مصدر لفعل محذوف ، التقدير فتقوم ( مقاما ) ، ولا يجوز أن تكون ( عسى ) هنا ناقصة ، وتقدم الخبر على الاسم فيكون ( ربك ) مرفوعا اسم ( عسى ) و ( أن يبعثك ) الخبر في موضع نصب بها ، إلا في هذا الإعراب الأخير . وفي تفسير المقام المحمود أقوال : أحدها : أنه في أمر الشفاعة التي يتدافعها الأنبياء حتى تنتهي إليه صلى الله عليه وسلم ، والحديث في الصحيح ، وهي عدة من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه الشفاعة يحمده أهل الجمع كلهم ، في دعائه المشهور : " وابعثه المقام المحمود الذي وعدته " واتفقوا على أن المراد منه الشفاعة . الثاني : أنه في أمر شفاعته لأمته في إخراجه لمذنبهم من النار ، وهذه الشفاعة لا تكون إلا بعد الحساب ودخول الجنة ودخول النار ، وهذه لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء . وقد روي حديث الشفاعة وفي آخره : " حتى لا يبقى في النار إلا من حسبه القرآن " ، أي وجب عليه الخلود . قال : ثم تلا هذه الآية ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) . وعن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : " المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " فظاهر هذا الكلام تخصيص شفاعته لأمته ، وقد تأوله من حمل ذلك على الشفاعة العظمى ، التي يحمده بسببها الخلق كلهم ، على أن المراد لأمته وغيرهم ، أو قال : إن كل مقام منها محمود . الثالث : عن حذيفة : يجمع الناس في صعيد فلا تتكلم نفس ، فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقول : لبيك وسعديك والشر ليس إليك ، والمهدى من هديت ، وعبدك بين يديك ، وبك وإليك ، لا منجأ ولا ملجأ إلا إليك ، تباركت وتعاليت ، سبحانك رب البيت . قال : فهذا قوله تعالى : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) . الرابع : قال الزمخشري : معنى المقام المحمود المقام الذي يحمده القائم فيه ، وكل من رآه وعرفه وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات ( ا . ه ) ، وهو قول حسن ولذلك نكر ( مقاما محمودا ) ، فلم يتناول مقاما مخصوصا ، بل كل مقام محمود صدق عليه إطلاق اللفظ . الخامس : ما قالت فرقة - منها مجاهد - وقد روى أيضا عن ابن عباس أن المقام المحمود هو أن يجلسه الله تعالى معه على العرش . وذكر الطبري في ذلك حديثا ، وذكر النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال : من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا . قال ابن عطية : يعني من أنكر جوازه على تأويله . وقال أبو عمر ومجاهد : إن كان أحد الأئمة يتأول القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل علم هذا أحدهما ، والثاني تأويل ( إلى ربها ناظرة ) [ 22 : القيامة ] ، قال تنتظر الثواب ليس من النظر ، وقد يؤول قوله معه على رفع محله وتشريفه على خلقه كقوله : ( إن الذين عند ربك ) [ 206 : الأعراف ] ، وقوله : ( ابن لي عندك بيتا ) [ 11 : التحريم ] ، و ( إن الله لمع المحسنين ) [ 69 : العنكبوت ] ، كل ذلك كناية عن المكانة لا عن المكان . وقال الواحدي : هذا القول مروي عن ابن عباس وهو قول رذل ، موحش ، فظيع ، لا يصح مثله عن ابن عباس ، ونص الكتاب ينادي بفساده من وجوه : . . . الأول : أن البعث ضد الإجلاس ، بعث التارك ، وبعث الله الميت أقامه من قبره ، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضد بالضد . الثاني : لو كان جالسا - تعالى - على العرش لكان محمودا متناهيا ، فكان يكون محدثا . الثالث : أنه قال : ( مقاما ) ولم يقل مقعدا ( محمودا ) ، والمقام موضع القيام لا موضع القعود . الرابع : أن الحمقى والجهال يقولون : أن أهل الجنة يجلسون كلهم معه تعالى ويسألهم عن أحوالهم الدنيوية ، فلا مزية له بإجلاسه معه ! الخامس : إذا قيل : بعث السلطان فلانا ، لا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه ، ( البحر المحيط ) : 7 / 100 - 102 ، تفسير سورة الإسراء .