المقريزي

218

إمتاع الأسماع

الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحد من العالمين ) ( 1 ) ، واقتدى بهم المشركون فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم الآيات اقتراحا وتحكما ، كقولهم : اجعل الصفا لنا ذهبا ، وأحيي لنا قصيا ، وسير جبالنا لتتسع مزارعنا ، وائتنا بالملائكة إن كنت من الصادقين ، وأنزل علينا كتابا نقرؤه ، فأنزل الله تعالى ردا عليهم : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا ) ( 2 ) ، وقال ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ) ( 3 ) فجعل الله تعالى لرحمته بهم الآية الباقية مدة الدنيا له صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز ، وتحدي به أرباب اللغة واللسان أن يأتوا بمثله أو بسورة أو بآية مثله ، فباؤا بالعجز عن معارضته مع تمكينه من أصناف الكلام نظما ونثرا ورجزا وسجعا ، وكأن القرآن معجزة له صلى الله عليه وسلم كإبراء الأكمه وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام مع تقدم قومه بصناعة الطب ، وكقلب العصا حية لموسى وفلق البحر مع تمكن قوم فرعون وحذقهم بالسحر . فكان من رحمة الله بهذه الأمة أن جعل أظهر دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الذي يعلم صدقه بالاستدلال الذي تعرض فيه الشبهة والشكوك ، لكنه لا يستأصل القوم المنكرون له استؤصل قوم صالح لما كفروا بالناقة ، وقوم موسى بانفلاق البحر ، وتلقف العصا حبالهم وعصيهم . وإلى هذا المعنى يرجع قوله تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) ( 4 ) ، المعنى : أن إرادتنا لاستبقاء المقترحين للإيمان منعا من إرسال الآيات إلا التي اقترحوها بها ، لعلمنا بأنا نخرج من أصلابهم من يؤمن ، وإن من سبق له منا الرحمة بالإيمان فقال تعالى : ( أولم يكفهم إنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى ) ( 5 ) ، فدعاهم إلى التفكر والتذكر في القرآن الذي هو من

--> ( 1 ) المائدة : 115 . ( 2 ) الرعد : 31 . ( 3 ) الحجر : 8 . ( 4 ) الإسراء : 59 . ( 5 ) العنكبوت : 51 .