المقريزي

198

إمتاع الأسماع

عليه إلا كما نحن ، فأرسل إليهم أن يأتون ، فأرسل : أن خل سبيلهم ، فدخلنا معتمين متقلدين السيوف على الرواحل ، فلما كنا بباب الملك ، إذا هو في غرفة له عالية ، فنظر إلينا ، قال : فعرفنا رؤوسنا فقلنا : لا إله [ إلا ] الله ، فالله يعلم لنقضت الغرفة كلها حتى كأنها غدق نفضته الريح ، فأرسل : إن هذا ليس لكم أن تجهروا بدينكم على ، وأرسل إلينا : أن ادخلوا ، فدخلنا ، فإذا هو على فراش إلى السقف ، وإذا عليه ثياب حمر ، وإذا كل شئ عنده أحمر ، وإذا عنده بطارقة الروم ، وإذا هو يريد أن يكلمنا برسول ، فقلنا : لا والله ما نكلمه برسول ، وإنما بعثنا إلى الملك ، فإذا كنت تحب أن تكلمك فأذن لنا نكلمك ، فلما دخلنا عليه ضحك ، فإذا هو رجل فصيح بالعربية ، فقلنا : لا إله إلا الله ، فالله يعلم لقد نقض السقف حتى رفع رأسه هو وأصحابه فقال : ما أعظم كلامكم عندكم ، فقلنا : هذه الكلمة ؟ قال : التي قلتماها قبل ؟ قلنا : نعم ، قال : فإذا قلتموها في بلاد عدوكم نقضت سقفهم ؟ قلنا : لا ، قال : فإذا قلتموها في بلادكم نقضت سقوفكم ؟ قلنا لا ، وما رأيناها فعلت هذا ، وما هو إلا شئ عبرت به ، فقال : ما أحسن الصدق ! فما تقولون إذا فتحتم المدائن ؟ قلنا : نقول : لا إله إلا الله والله أكبر ، قال : تقولون : لا إله إلا الله ليس معه شئ ، والله أكبر من كل شئ ؟ قلنا : نعم ، قال : فما منعكم أن تحيوني بتحية نبيكم ؟ قلنا : إن تحية نبينا لا تحل لكم ، وتحيتك لا تحل لنا فنحييك بها ، قال : وما تحيتكم ؟ قلنا : تحية أهل الجنة ، قال : وبها كنتم تحيون نبيكم ؟ قلنا : نعم ، قال : وبها كان يحييكم ؟ قلنا نعم ، قال : فمن كان يورث منكم ؟ قلنا : من كان أقرب قرابة ، قال : وكذلك ملوككم ؟ قلنا : نعم ، فأمر لنا بنزل كثير ومنزل حسن ، فمكثنا ثلاثا ثم أرسل إلينا ليلا ، فدخلنا عليه وليس عنده أحد ، فاستعاد كلامنا فأعدنا عليه ، فإذا عنده مثل الربعة العظيمة مذهبة ، وإذا فيها أبواب صغار ، ففتح منها بابا ، واستخرج منه خرقة حرير سوداء ، فيها صورة بيضاء ، فإذا رجل طوال أكثر الناس شعرا فقال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا آدم ، ثم أعاد وفتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء فإذا رجل ضخم الرأس عظيم ، له شعر كشعر القبط ، أعظم الناس أليتين ، أحمر العينين فقال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا نوح ، ثم أعاده وفتح بابا آخر فاستخرج