المقريزي

190

إمتاع الأسماع

وأعلمه مشاعره ، ثم تعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلى بني من ولدك يقال له محمد ، وهو خاتم النبيين ، فأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته ، ومن سألك عني يومئذ فأنا الشعث الغبر الموفين بنذورهم ، المقبلين إلى ربهم . وقال سعيد بن عمرو الأنصاري عن أبيه عن كعب الأحبار قال : لما أراد الله أن يخلق محمدا صلى الله عليه وسلم أمر جبريل فأتاه بالقبضة التي هي موضع قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجنت بماء التسنيم ، ثم غمست في الأنهار الجنة وطيف بها في السماوات والأرض ، فعرف الملائكة محمدا وفضله قبل أن تعرف آدم ، ثم كان نور [ محمد ] ( 1 ) يرى في غرة جبهة آدم ، وقيل له يا آدم ، هذا سيد ولدك من المرسلين ، فلما حملت [ حواء ] ( 2 ) بشيث انتقل النور من آدم إلى [ حواء ] ( 2 ) ، وكانت تلد في كل بطن ولدين إلا شيثا فإنه ولدته وحده كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ثم لم [ يزل ] ( 3 ) ينتقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولد محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ورقاء بن عمر عن ابن أبي الحجيج عن عطاء بن السائب ومجاهد عن مرة الهمزاني عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، أين كنت وآدم في الجنة ؟ قال : كنت في صلبه ، وأهبطت إلى الأرض وأنا في صلبه ، وركبت السفينة في صلب نوح ، وقذفت في النار في صلب إبراهيم ، لم يلتق لي أبوان قط على سفاح ، لم يزل ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام النقية مهذبا ، لا يتشعب شعبتان إلا كنت في خير منهم ، فأخذ الله لي بالنبوة ميثاقي ، وفي التوراة بشر بي ، وفي الإنجيل شهر اسمي تشرق الأرض لوجهي ، والسماء لرؤيتي ( 4 ) .

--> ( 1 ) في ( خ ) : " محمد " وما أثبتناه حق اللغة . ( 2 ) في ( خ ) " حوى " . ( 3 ) زيادة للسياق . يشهد لهذا الأثر ما أخرجه كل من : البخاري : في كتاب المناقب ، باب ( 23 ) ، حديث رقم ( 3557 ) : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى كنت من القرن الذي كنت منه " . قوله صلى الله عليه وسلم : " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا " ، القرن الطبيعة من الناس المجتمعين في عصر واحد " ، ومنهم من حده بمائة سنة : وقيل : بسبعين ، وقيل بغير ذلك . فحكى الحربي الاختلاف فيه من عشرة إلى مائة وعشرين ، ثم تعقب الجميع وقال : الذي أراه أن القرن كل أمة هلكت حتى لم يبق منها أحد . وقوله صلى الله عليه وسلم : " قرنا " ، بالنصب حال للتفصيل . قوله صلى الله عليه وسلم : " حتى كنت من القرن الذي كنت منه " ، في رواية الإسماعيلي : " حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه " . . . والقرن أهل زمان واحد متقارب ، اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة ، ويقال : إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة ، أو مذهب ، أو عمل . ويطلق القرن على مدة من الزمان ، واختلفوا في تحديدها ، ذكر الجوهري بين الثلاثين والثمانين ، وقد وقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ، ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور . وقال صاحب المطالع : القرن أمة هلكت ، فلم يبق منهم أحد ، وثبتت المائة في حديث عبد الله بن بسر ، وهو ما عند أكثر أهل العراق . ولم يذكر صاحب ( المحكم ) الخمسين ، وذكر من عشر إلى سبعين ، ثم قال : هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن ، وهذا أعدل الأقوال ، وبه صرح ابن الأعرابي وقال : إنه مأخوذ من الأقران ، ويمكن أن يحمل عليه المختلف من الأقوال المتقدمة ممن قال إن القرن أربعون فصاعدا ، أما من قال إنه دون ذلك فلا يلتئم على هذا القول والله أعلم . والمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحابة . قوله صلى الله عليه وسلم : " وبعثت في خير قرون بني آدم " ، وفي رواية بريدة عند الإمام أحمد : " خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم " ، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة ، أو دونها ، أو فوقها بقليل ، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل ، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعا وسبعين . وأما قرن التابعين ، فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين ، وأما الذين بعدهم ، فإن اعتبر منها ، كان نحوا من خمسين ، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان والله أعلم . واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين ، ورفعت الفلاسفة رؤوسها ، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن ، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا ، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن ، وظهر قوله صلى الله عليه وسلم : " ثم يفشو الكذب " ظهور بينا ، حتى يشمل الأقوال ، والأفعال ، والمعتقدات ، والله المستعان . ( فتح الباري ) : 6 / 712 ، 7 / 6 - 7 . ب‍ ومسلم : في كتاب الفضائل ، باب ( 1 ) ، فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ، حديث رقم ( 2276 ) : حدثنا محمد بن مهران الرازي ، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم ، جميعا عن الوليد ، قال ابن مهران : حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي ، عن أبي عمار شداد ، أنه سمع وائلة بن الأسقع يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم " . وباب ( 2 ) تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق ، حديث رقم ( 2278 ) ، حدثني الحكم بن موسى أبو صالح ، حدثنا هقل - يعني ابن زياد - عن الأوزاعي ، حدثني أبو عمار ، حدثني عبد الله بن فروخ ، حدثني أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع ، وأول مشفع " قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله اصطفى كنانة " ، قال الإمام النووي : استدل به أصحابنا على أن غير قريش من العرب ليس بكفء لهم ، ولا غير بني هاشم كفوء لهم ، إلا بني المطلب فإنهم هم وبنو هاشم شئ واحد ، كما صرح به في الحديث الصحيح . قوله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع ، وأول مشفع " ، قال الهروي : السيد هو الذي يفوق قومه في الخير ، وقال غيره : هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد ، فيقوم بأمرهم ، ويتحمل عنهم مكارههم ، ويدفعها عنهم . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " يوم القيامة " ، مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة ، فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ، ولا يبقى متاع ولا معاند ونحوه ، بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار ، وزعماء المشركين . وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى : ( لمن الملك لله الواحد القهار ) مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك ، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك ، أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك في الآخرة . قال العلماء : وقوله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم " ، لم يقله فخرا ، بل صرح بنفي الفحر في غير مسلم ، في حديث المشهور : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " ، وإنما قاله لوجهين : أحدهما : امتثال قوله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) . والثاني : أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ، ليعرفوه ويعتقدوه ، ويعلموا بمقتضاه ، ويوقروه صلى الله عليه وسلم بما يقتضي مرتبته ، كما أمرهم الله تعالى . الآدميين أفضل من الملائكة ، وهو صلى الله عليه وسلم على الخلائق كلهم ، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة ، وهو صلى الله عليه وسلم أفضل الآدميين وغيرهم . وأما الحديث الآخر : " لا تفضلوا بين الأنبياء " ، فجوابه من خمسة أوجه : أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ، فلما علم أخبر به . والثاني : قاله أدبا وتواضعا . والثالث : أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول . والرابع : إنما نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة ، كما هو المشهور في سبب الحديث . والخامس : أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة ، فلا تفاضل فيها ، وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى ، ولا بد من اعتقاد التفضيل ، فقد قال تعالى : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) . قوله صلى الله عليه وسلم : " وأول شافع وأول مشفع " ، إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان ، فيشفع الثاني منهما قيل الأول . والله أعلم . والترمذي : في أبواب المناقب ، باب ( 20 ) ما جاء في فضل النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم ( 3850 ) : وحدثنا محمود بن غيلان ، أخبرنا أبو أحمد ، أخبرنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن المطلب بن أبي وداعة قال : " جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه سمع شيئا ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال : من أنا ؟ ؟ فقالوا : أنت رسول الله عليك السلام ، قال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب . إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم ، ثم جعلني في خيرهم فرقة ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا " ، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب . وروي عن سفيان الثوري ، عن يزيد بن أبي زياد ، نحو حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث ، عن العباس بن عبد المطلب . قوله : " جاء العباس " ، أي غضبان " وكأنه سمع شيئا " ، أي من الطعن في نسبه أو حسبه ، " فقال : من أنا ؟ " استفهام تقرير على جهة التبكيت ، " فقالوا : أنت رسول الله ، فلما كان قصده صلى الله عليه وسلم بيان نسبة وهم عدلوا عن ذلك المعنى ، ولم يكن الكلام في ذلك المبنى ، " أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب " ، يعني وهما معروفان عند العارف المنتسب . قال الطيبي : قوله : " فكأنه سمع " ، مسبب عن محذوف ، أي جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعنا من الكفار في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نحو قوله تعالى : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) ، كأنهم حقروا شأنه ، وأن هذا الأمر العظيم الشأن لا يليق إلا بمن هو عظيم من إحدى القريتين ، كالوليد بن المغيرة ، وعروة بن مسعود الثقفي مثلا ، فأقرهم صلى الله عليه وسلم ، على سبيل التبكيت ، على ما يلزم تعظيمه وتفخيمه ، فإنه الأولى بهذا الأمر من غيره لأن نسبه أعرف . ومن ثم لما قالوا : أنت رسول الله ، ردهم بقوله : " أنا محمد بن عبد الله . ( تحفة الأحوذي ) : 10 / 54 . وابن الأثير في ( جامع الأصول ) : 8 / 538 ، حديث رقم ( 6338 ) ، رقم ( 6339 ) . والإمام أحمد في ( المسند ) : 1 / 345 ، حديث رقم ( 1791 ) ، حديث رقم ( 1793 ) . وأبو حيان الأندلسي في ( البحر المحيط ) : 8 / 198 ، عند تفسير قوله تعالى من سورة الأعراف : ( وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) ، قال ابن عباس : في أصلاب آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، حتى خرجت . وابن كثير في ( التفسير ) : 3 / 365 ، وروى البزار وابن أبي حاتم ، من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية ( وتقلبك في الساجدين ) : يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي ، حتى أخرجه نبيا .