المقريزي

174

إمتاع الأسماع

ما قال : كنت إنسانا ، ولا كنت موجودا ، وليست النبوة إلا بالشرع المقرر من عند الله ، فأخبر أنه صاحب النبوة قبل وجود الأنبياء في الدنيا كما تقرر فيما تقدم ، فكانت استدارته إليها دورته بالاسم الباطن ، وابتداء دورة أخرى بالاسم الظاهر ، فقال صلى الله عليه وسلم : " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض " ( 1 ) ،

--> ( 1 ) ذكره البخاري في مواضع متفرقة من صحيحة يتمم بعضها بعضا ، لكن أخرجه مسلم بتمامه في كتاب القسامة باب ( 9 ) تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال ، حديث رقم ( 29 ) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ويحيى بن حبيب الحارثي " وتقاربا في اللفظ " قالا : حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن ابن أبي بكرة ، عن أبي بكرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات الأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب شهر مضر ، الذي بين جمادي وشعبان ، ثم قال : " أي شهر هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس ذا الحجة ، قلنا : بلى ، قال : فأي بلد هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس البلدة ؟ قلنا : بلى ، قال : فأي يوم هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس يوم النحر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال فإن دماءكم وأموالكم قال محمد : وأحسبه قال : وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، فلا ترجعن بعدي كفارا - أو ضلالا - يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه ، ثم قال : ألا هل بلغت " ؟ قال ابن حبيب في روايته : " ورجب مضر " وفي رواية أبي بكر : " فلا ترجعوا بعدي " . قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم الله خلق السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب شهر مضر ، الذي بين جمادي وشعبان " ، أما ذو القعدة بالفتح القاف ، وذو الحجة بكسر الحاء ، هذه اللغة المشهورة ، ويجوز في لغة قليلة كسر القاف وفتح الحاء ، وقد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة هي هذه المذكورة في الحديث ، ولكن اختلفوا في الأدب المستحب في كيفية عدها ، فقالت طائفة من أهل الكوفة وأهل الأدب ، يقال : المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة ، ليكون الأربعة من سنة واحدة ، وقال علماء المدينة والبصرة ، وجماهير العلماء ، هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، ثلاث سرد ، وواحد فرد ، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة ، منها هذا الحديث الذي نحن فيه ، وعلى هذا الاستعمال أطبق الناس من الطوائف كلها . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " ورجب شهر مضر الذي بين جمادي وشعبان " ، وإنما قيده هذا التقييد مبالغة في إيضاحه ، وإزالة للبس عنه ، قالوا : وقد كان بين بني مضر وبين ربيعة اختلاف في رجب ، فكانت مضر تجعل رجبا هذا الشهر المعروف الآن ، وهو الذي بين جمادي وشعبان ، وكانت ربيعة تجعله رمضان ، فلهذا أضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مضر . وقيل ، لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم ، وقيل : إن العرب كانت تسمى رجبا وشعبان الرجبين ، وقيل كانت تسمى جمادي ورجب جمادين ، وتسمى شعبان رجبا . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات الأرض " ، فقال العلماء : معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في تحريم الأشهر الحرم ، وكان يشق عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات ، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخروا تحريم المحرم إلى الشهر الذي بعده ، وهو صفر ، ثم يؤخرونه في السنة الأخرى إلى شهر آخر ، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة ، حتى اختلط عليهم الأمر ، وصادفت حجة النبي صلى الله عليه وسلم تحريمهم ، وقد تطابق الشرع ، وكانوا في تلك السنة قد حرموا ذا الحجة لموافقة الحساب الذي ذكرناه ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستدارة قد صادفت ما حكم الله تعالى به يوم خلق السماوات والأرض . وقال أبو عبيد : كانوا ينسؤن أي يؤخرون ، وهو الذي قال الله تعالى فيه : ( إنما النسئ زيادة في الكفر ) ، فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم ، فيؤخرون تحريمه إلى صفر ، ثم يؤخرون صفر في سنة أخرى ، فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه . قوله : " ثم قال : أي شهر هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس ذا الحجة ؟ قلنا : بلى ، قال : فأي بلد هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . . إلى آخره " ، هذا السؤال ، والسكوت ، والتفسير أراد به التفخيم ، والتقرير ، والتنبيه على عظم مرتبة هذا الشهر ، والبلد ، واليوم ، وقولهم : " الله ورسوله أعلم " ، هذا من حسن أدبهم ، وأنهم علموا أنه صلى الله عليه وسلم لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب ، فعرفوا أنه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون . قوله صلى الله عليه وسلم : " فإن دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم ، حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا ، في شهركم هذا " . المراد بهذا كله بيان توكيد غليظ تحريم الأموال والدماء ، والأعراض ، والتحذير من ذلك . قوله صلى الله عليه وسلم : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ، قيل في معناه سبعة أقوال : [ 1 ] أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق . [ 2 ] المراد كفر النعمة ، وحق الإسلام . [ 3 ] أنه يقرب من الكفر ، ويؤدي إليه . [ 4 ] أنه فعل كفعل الكفار . [ 5 ] المراد حقيقة الكفر ، ومعناه : لا تكفروا ، ودوموا مسلمين . [ 6 ] حكاه الخطابي وغيره ، أن المراد بالكفار : المتكفرون بالسلاح ، يقال : تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه . قال الأزهري في كتاب ( تهذيب اللغة ) : يقال للابس السلاح كافر . [ 7 ] قال القاضي عياض رحمه الله : ثم إن الرواية " يضرب " برفع الباء ، هكذا هو ونقل القاضي رحمه الله ، أن بعض العلماء ضبطه بإسكان الباء . قال القاضي : وهو إحالة للمعنى ، والصواب الضم ، قال الإمام النووي : وكذا قال أبو البقاء العكبري : إنه يجوز جزم الباء على تقدير شرط مضمر ، أي إن ترجعوا يضرب ، والله تعالى أعلم . أما قوله صلى الله عليه وسلم : " لا ترجعوا بعدي كفارا " ، فقال القاضي : قال الصبري : معناه بعد الفراق من موقفي هذا ، وكان هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع ، أو يكون بعدي أي خلافي ، أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به ، أو يكون تحقق صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يكون في حياته ، فنهاهم عنه بعد مماته . قوله صلى الله عليه وسلم : " ليبلغ الشاهد منكم الغائب " ، فيه وجوب تبليغ العلم ، وهو فرض كفاية ، فيجب تبليغه بحيث ينتشر . قوله صلى الله عليه وسلم : " فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه " ، احتج به العلماء لجواز رواية الفضلاء وغيرهم من الشيوخ الذين لا علم لهم عندهم ولا فقه ، إذا ضبط ما يحدث به . ( مسلم بشرح النووي ) : 2 / 415 - 416 ، كتاب الإيمان ، باب ( 29 ) بيان معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ، حديث رقم ( 118 ) ، ( المرجع السابق ) : 11 / 180 ، كتاب القسامة ، باب ( 9 ) . تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال ، حديث رقم ( 29 ) .