المقريزي
171
إمتاع الأسماع
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة " الحديث . وله طرق ( 1 ) ، قال أبو نعيم : وكان صلى الله عليه وسلم آخرهم في البعث ، وبه ختمت النبوة ، وهو
--> ( 1 ) باقي طرق الحديث في المرجع السابق ، حديث رقم ( 22 ) ، ( 23 ) ، كلها بسياقات قريبة من بعضها مع التقديم والتأخير والزيادة والنقصان لكن بمعنى واحد ، وذكره أبو نعيم في ( الدلائل ) : 1 / 49 ، باب ما روي في تقديم نبوته صلى الله عليه وسلم قبل خلق آدم عليه السلام ، حديث رقم ( 11 ) ، والنسائي في الجمعة ، باب إيجاب يوم الجمعة ، حديث رقم ( 1366 ) . قال الحافظ السيوطي : قوله صلى الله عليه وسلم : " نحن الآخرون " ، أي الآخرون زمانا ، الأولون منزلة ، والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية ، فهي سابقة لهم في الآخرة ، بأنهم أول من يحشروا ، وأول من يحاسب ، وأول من يقضي بينهم ، وأول من يدخل الجنة . وقيل : المراد بالسبق إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل ، وهو يوم الجمعة ، وقيل المراد به السبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب فقالوا : ( سمعا وعصينا ) ، والأول أقوى . " بيد " بموحدة ثم تحتية ساكنة مثل " غير " وزنا ، ومعنى ، وإعرابا ، وبه جزم الخليل والكسائي ، ورجحه ابن سيدة . وروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي رحمه الله ، عن الربيع ، عنه ، أن معنى " بيد " من أجل ، وكذا ذكره ابن حبان والبغوي ، عن المزني عن الشافعي ، وقد استبعده القاضي عياض ، ولا بعد فيه . والمعنى إنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة ، مع تأخرنا في الزمان ، بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم . ويشهد لهم ما في ( فوائد المقري ) بلفظ : نحن الآخرون في الدنيا ، ونحن أول من يدخل الجنة ، لأنهم أورثوا الكتاب من قبلنا . وقال الراوي : هي بمعنى " على " أو " مع " . قال القرطبي : إن كانت بمعنى " غير " فنصب على الاستثناء ، وإن كانت بمعنى " مع " فنصب على الظرف ، وقال الطيبي : هي للاستثناء ، وهي من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم . " أنهم أوتوا الكتاب قبلنا " اللام للجنس ، والمراد التوراة والإنجيل : " وأوتيناه " المراد الكتاب ، مرادا به القرآن ، " وهذا اليوم الذي كتب الله عليهم " ، أي فرض عليهم تعظيمه ، " فاختلفوا فيه " ، قال ابن بطال : ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه ، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن ، وإنما يدل والله تعالى أعلم على أنه فرض عليه يوم الجمعة ووكل على اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم ، فاختلفوا في أي الأيام هو ، ولم يهتدوا ليوم الجمعة . وقال النووي : يمكن أن يكونوا أمروا به صريحا فاختلفوا ، هل يلزم تعيينه أو يسوغ إبداله بيوم الآخر ، فاجتهدوا في ذلك فأخطأوا . وقد روى ابن أبي حاتم عن السدي ، في قوله تعالى : ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) ، قال : إن الله فرض على اليهود يوم الجمعة فأبوا وقالوا : يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا ، فجعله عليهم . قوله صلى الله عليه وسلم : " اليهود غدا والنصارى بعد غد " ، قال القرطبي " غدا " منصوب على الظروف ، وهو متعلق بمحذوف تقديره : اليهود يعظمون غدا وكذا بعد غد ولا بد من هذا التقدير لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة ، وقدر ابن مالك تقييد اليهود غدا . ( حاشية الحافظ السيوطي على سنن النسائي ) : 3 / 95 - 96 ، كتاب الجمعة ، باب إيجاب الجمعة ، حديث رقم ( 1366 ) . وقال الإمام السندي : قواه صلى الله عليه وسلم : " نحن الآخرون السابقون " ، أي الآخرون زمانا في الدنيا ، الأولون منزلة وكرامة يوم القيامة ، والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية ، فهي سابقة إياهم في الآخرة ، بأنهم أول من يحشر ، وأول من يحاسب ، وأول من يقضي بينهم ، وأول من يدخل الجنة . وقيل : المراد بالسبق إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل ، وهو يوم الجمعة ، وقيل : المراد بالسبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب فقالوا : ( سمعنا وعصينا ) . قوله صلى الله عليه وسلم : " أوتوا الكتاب " ، اللام للجنس ، فيحمل بالنسبة إليهم على كتابهم ، وبالنسبة إلينا على كتابنا ، وهذا بيان زيادة شرف لنا ، أي فصار كتابنا ناسخا لكتابهم ، وشريعتنا ناسخة لشريعتهم ، وللناسخ فضل على المنسوخ ، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم . أو المراد بيان أن هذا يرجع إلى مجرد تقدمهم علينا في الوجود ، وتأخرنا عنه فيه ، ولا شرف لهم فيه ، أو هو شرف لنا أيضا من حيث قلة انتظارنا أمواتا في البرزخ ، ومن حيث حيازة المتأخر علوم المتقدم دون العكس ، فقولهم الفضل للتقدم ليس بكلي . قوله صلى الله عليه وسلم : " وهذا اليوم " ، الظاهر أنه أوجب عليهم يوما بعينه والعبادة فيه ، فاختاروا لأنفسهم أن يبدل الله لهم يوم السبت ، فأجيبوا إلى ذلك ، وليس بمستبعد من قوم وقالوا لنبيهم : ( اجعل لنا إلها ) . قوله صلى الله عليه وسلم : " فهدانا الله " ، بالثبات عليه حين شرع لنا العبادة فيه ، " اليهود غذا " أي يعبدون الله في يوم الجمعة . فأخذ المصنف قوله : " كتب الله " ، الوجوب ، والظاهر أن الحكم بالنظر إلى واحد ، فحيث إن ذلك الحكم هو الوجوب بالنسبة إلى قوم تعين أنه الوجوب بالنظر إلى الآخرين ، والله تعالى أعلم ( المرجع السابق ) .