المقريزي
141
إمتاع الأسماع
الناس ( 1 ) . . .
--> ( 1 ) ( فتح الباري ) : 13 / 310 ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب ( 2 ) الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقول الله تعالى : ( واجعلنا للمتقين إماما ) ، حديث رقم ( 7281 ) . قوله : " حدثنا أو سمعت " ، القائل ذلك سعيد بن ميناء ، والشاك هو سليم بن حيان ، شك في أي الصيغتين قالها شيخه سعيد . قوله : " جاءت ملائكة " ، لم أقف على أسمائهم ولا أسماء بعضهم ، ولكن في رواية سعيد بن أبي هلال المعلقة عقب هذا عن الترمذي أن الذي حضر بي هذه القضية جبريل وميكائيل ، ولفظة : " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي ، ومكائيل عند رجلي . . " ، فيحتمل أنه كان مع كل منهما غيره . واقتصر في هذه الرواية على من باشر الكلام منهم ابتداءا وجوابا ، ووقع في حديث ابن مسعود عند الترمذي ، وحسنه وصححه ابن خزيمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم توسد فخذه فرقد ، وكان إذا نام نفخ ، قال : فبينا أنا قاعد ، إذ أنا برجال عليهم ثياب بيض ، الله أعلم بما بهم من الجمال ، فجلست طائفة منهم عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطائفة منهم عند رجليه . قوله : " إن لصاحبكم هذا مثلا قال : فاضربوا له مثلا " ، كذا للأكثر ، وسقط لفظ " قال " من رواية أبي ذر . قوله : " فقال بعضهم : إنه نائم . . . إلى قوله : يقظان " ، قال الرامهرمزي : هذا تمثيل يراد به حياة القلب وصحة خواطره ، يقال : رجل يقظ ، إذا كان ذكي القلب ، وفي حديث ابن مسعود ، فقالوا بينهم : ما رأينا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي ، إن عينيه تنامان وقلبه يقظان ، اضربوا له مثلا . وفي رواية سعيد بن هلال : فقال أحدهما لصاحبه : اضرب له مثلا ، فقال : " إسمع سمع أذنك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك " . ونحوه في حديث ربيعة الجرشي ، عند الطبراني ، زاد أحمد في حديث ابن مسعود ، فقالوا : اضربوا له مثلا ، ونؤول أو نضرب وأولوا ، وفيه : ليعقل قلبك . قوله : " مثله كمثل رجل بني دارا وجعل فيها مأدبة " ، في حديث ابن مسعود : " مثل سيد بني قصرا " ، وفي رواية أحمد : " بنيانا حصينا ثم جعل مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه ، فمن أجاب أكل من طعامه وشرب من شرابه ، ومن لم يجبه عاقبه - أو قال - عذبه " . وفي رواية أحمد " عذب عذابا شديدا . والمأدبة بسكون الهمزة وضم الدال بعدها موحدة ، وحكى بالفتح ، وقال ابن التين : عن أبي عبد الملك الضم والفتح لغتان فصيحتان ، وقال الرامهرمزي نحوه في حديث " القرآن مأدبة الله " قال : وقال لي أبو موسى الحامض : من قاله بالضم أراد الوليمة ، من قاله بالفتح أراد أدب الله الذي أدب به عباده . قال الحافظ ابن حجر : فعلى هذا يتعين الضم . قوله : " فبعث داعيا " ، في رواية سعيد : " ثم بعث رسولا يدعوا الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه " . قوله : " فقال بعضهم : أولوها بفقهها " ، قيل : يؤخذ منه حجة لأهل التعبير ، أن التعبير إذا وقع في المنام اعتمد عليه . قال ابن بطال : قوله : " أولوها له " يدل على أن الرؤيا ما عبرت في النوم ، أ . ه . وفيه نظر لاحتمال الاختصاص بهذه القضية ، لكون الرائي النبي صلى الله عليه وسلم ، والمرئي الملائكة ، فلا يطرد ذلك في حق غيرهم . قوله : " فقالوا : الدار الجنة " ، أي الممثل بها ، زاد في رواية سعيد بن أبي هلال : " فالله هو الملك ، والدار السلام ، والبيت الجنة ، وأنت يا محمد رسول الله " . وفي حديث ابن مسعود عند أحمد : " أما السيد فهو الله رب العالمين ، وأما البنيان فهو الإسلام ، والطعام الجنة ، ومحمد الداعي " ، فمن اتبعه كان في الجنة . قوله : " فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله " ، أي لأنه رسول صاحب المأدبة ، فمن أجابه ودخل في دعوته أكل من المأدبة ، وهو كناية عن دخول الجنة ، ووقع بيان ذلك في رواية سعيد ، ولفظه : " وأنت يا محمد رسول الله ، فمن أجابك دخل الإسلام ، ومن الإسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل ما فيها " . قوله : " ومحمد فرق بين الناس " ، كذا لأبي ذر بتشديد الراء فعلا ماضيا ، ولغيره بسكون الراء والتنوين ، وكلاهما متجه . قال الكرماني : ليس المقصود من هذا التمثيل تشبيه المفرد بالمفرد ، بل تشبيه المركب بالمركب ، مع قطع النطر عن مطابقة المفردات من الطرفين . ا . ه . وقد وقع في غير هذه الطريق ما يدل على المطابقة المذكورة ، زاد في حديث ابن مسعود : " فلما استيقظ قال : سمعت ما قال هؤلاء ، هل تدري من هم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : هم الملائكة ، والمثل الذي ضربوا : الرحمن بني الجنة ودعا إليها عباده " الحديث . تنبيه : قال الحافظ في الفتح : تتقدم في كتاب المناقب من وجه آخر عن سليم بن حيان بهذا الإسناد ، " قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثل الأنبياء كرجل بني دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة " الحديث . وهو حديث آخر ، وتمثيل آخر ، فالحديث الذي في المناقب - وهو الحديث رقم ( 3534 ) - يتعلق بالنبوة وكونه صلى الله عليه وسلم خاتم التبيين . وهذا يتعلق بالدعاء إلى الإسلام ، وبأحوال من أجاب أو امتنع ، وقد وهم من خلطهما كأبي نعيم في ( المستخرج ) ، فإنه لما ضاق عليه مخرج حديث الباب ، ولم يجده مرويا عنده ، أورد حديث اللبنة ، ظنا منه أنهما حديث واحد ، وليس كذلك لما بينته . وسلم الإسماعيلي من ذلك ، فإنه لما لم يجده في مروياته ، أورده من روايته عن الفربري ، بالإجازة عن البخاري بسنده ، وقد روى يزيد بن هارون بهذا السند حديث اللبنة ، أخرجه أبو الشيخ في ( كتاب الأمثال ) ، من طريق أحمد بن سنان الواسطي عنه ، وساق بهذا السند حديث " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا " الحديث ، لكنه عن أبي هريرة لا عن جابر ، وقد ذكر الرامهرمزي حديث الباب في ( كتاب الأمثال ) معلقا فقال : وروى يزيد بن هارون ، فساق السند ولم يوصل سنده بيزيد ، وأورد معناه من مرسل الضحاك بن مزاحم . ( 1 ) زاد في رواية البخاري بعد قوله : " ومحمد فرق بين الناس " ، تابعه قتيبة عن ليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال " عن جابر ، خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم . . . " . قوله : " تابعه قتيبة عن ليث " ، يعني ابن سعد ، " عن خالد " ، يعني ابن بريد ، وهو أبو عبد الرحيم المصري أحد الثقات . قوله : " عن سعيد بن أبي هلال عن جابر قال : خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ، هكذا اقتصر على هذا القدر من الحديث ، وظاهر أن بقية الحديث مثله ، وقد بينت ما بينهما من الاختلاف ، وقد وصله الترمذي عن قتيبة بهذا السند ، ووصله أيضا الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان ، وأبو نعيم من طريق أبي العباس السراج ، كلاهما عن قتيبة ، ونسب السراج في روايته الليث وشيخه كما ذكرته . قال الترمذي بعد تخريجه : هذا الحديث مرسل ، سعيد بن هلال لم يدرك جابر بن عبد الله . قال الحافظ ابن حجر : وفائدة إيراد البخاري له ، رفع التوهم عمن يظن أن طريق سعيد بن ميناء موقوفة ، لأنه لم يصرح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتى بهذا الطريق لتصريحها ، ثم قال الترمذي : وجاء من غير وجه عن النبي بإسناد أصح من هذا . قال : وفي الباب عن ابن مسعود ، ثم ساقه بسنده وصححه ، وقد بينت ما فيه أيضا بحمد الله تعالى . ووصف الترمذي له بأنه مرسل ، يريد أنه منقطع بين سعيد وجابر ، وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني ، فإنه بنحو سياقه وسنده جيد ، وسعيد بن أبي هلال غير سعيد بن ميناء الذي في سند الأول ، وكل منهما مدني ، لكن ابن ميناء تابعي ، بخلاف ابن أبي هلال . والجمع بينهما إما بتعدد المرئي ، وهو واضح ، أو بأنه منام واحد ، حفظ فيه بعض الرواه ما لم يحفظ غيره ، وتقدم طريق جمع بين اقتصاره على جبريل وميكائيل في حديث ، وذكره الملائكة بالصيغة الجمع في الجانبين الدال على على الكثرة في آخر ، وظاهر رواية سعد بن هلال أن الرؤيا كان في البيت النبي صلى الله عليه وسلم لقوله : " خرج علينا فقال : إني رأيت في المنام " . وفي حديث ابن مسعود أن ذلك كان بعد أن خرج إلى الجن فقرأ عليهم ، ثم أغفى عند الصبح فجاءوا إليه حينئذ ، ويجمع بأن الرؤيا كانت على ما وصف ابن مسعود ، فلما رجع إلى منزله خرج على أصحابه فقصها ، وما عدا ذلك فليس بينها منافاة إذ وصف الملائكة برجال حسان ، يشير إلى أنهم تشكلوا بصورة الرجال . وقد أخرج أحمد والبزار والطبراني ، من طريق علي بن زيد ، عن يوسف مهران ، عن ابن عباس ، نحو أول حديث سعيد بن هلال ، لكن لم يسم الملكين ، وساق المثل على غير سياق من تقدم ، قال : " إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر ، انتهوا إلى رأس مفازة ، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ، ولا ما يرجعون به ، فبينما هم كذلك ، إذ أتاهم رجل فقال : أرأيتم إن وردت بك رياضا معشبة ، وحياضا رواءا ، أتتبعوني ؟ قالوا : نعم ، فانطلق بهم فأوردهم ، فأكلوا ، وشربوا ، وسمنوا ، فقال لهم : إن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه ، وحياضا أروى من هذه فاتبعوني ، فقالت طائفة صدق ، والله لنتبعه ، وقالت طائفة : قد رضينا بهذا بهذا نقيم عليه " . وهذا إن كان محفوظا قوي الحمل على التعدد ، إما للمنام وإما لضرب المثل ، ولكن علي بن زيد ضعيف من قبل حفظه . قال ابن العربي في حديث ابن مسعود : إن المقصود " المأدبة " ، وهو ما يؤكل ويشرب ، ففيه رد على الصوفية الذين يقولون : لا مطلوب في الجنة إلا الوصال ، والحق أن لا وصال لنا إلا بانقضاء الشهوات الجسمانية والنفسانية والمحسوسة والمعقولة ، وجماع ذلك كله في الجنة . ( ا . ه ) . وليس ما ادعاه من المرد بواضح ، قال : وفيه أن من أجاب الدعوة أكرم ، ومن لم يجبها أهين ، وهو بخلاف قولهم : من دعوناه فلم يجبنا فله الفضل علينا ، فإن أجابنا فلنا الفضل عليه ، فإنه مقبول في النظر ، وأما حكم العبد مع المولى ، فهو كما تضمنه هذا الحديث . ( المرجع السابق ) : 317 - 320 .