المقريزي
124
إمتاع الأسماع
على الله ( 1 ) . وقال البخاري : فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله . ذكره في كتاب الإيمان .
--> ( 1 ) قوله صلى الله عليه وسلم : " فإذا فعلوا ذلك " ، فيه التعبير بالفعل عما بعضه قوله ، إما على سبيل التغليب ، وإما على إرادة المعنى الأعم ، إذ القول فعل اللسان . قوله صلى الله عليه وسلم : " عصموا " أي منعوا ، وأصل العصمة من العصام وهو الخيط الذي يشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء . قوله صلى الله عليه وسلم : " حسابهم على الله " ، أي في أمر سرائرهم ، ولفظة " على " مشعرة بالإيجاب ، وظاهرها غير مراد ، فإما أن تكون بمعنى اللام ، أو على سبيل التشبيه ، أي هو كالواجب على الله في تحقيق الوقوع ، وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر ، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم ، خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة ، وقد تقدم فيه ، ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد ، الملتزمين للشرائع ، وقبول توبة الكافر من كفره ، من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن . فإن قيل : مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد ، فكيف ترك مؤدي الجزية والمعاهد ؟ الجواب من أوجه : أحدها : دعوى النسخ ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهد متأخرا عن هذه الأحاديث ، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى : ( اقتلوا المشركين ) . ثانيها : أن يكون من العام الذي خص منه البعض ، لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب . فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم . ثالثها : أن يكون من العام الذي أريد به الخاص ، فيكون المراد بالناس في قوله صلى الله عليه وسلم " أقاتل الناس " ، أي المشركين من غير أهل الكتاب ، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ : " أمرت أن أقاتل المشركين " . فإن قيل : إذا تم هذا في أهل الجزية ، لم يتم في المعادين ولا فيمن منع الجزية ، أجيب بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهدنة ، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية ، بدليل الآية . رابعها : أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها ، التعبير عن إعلاء كلمة الله ، وإذعان المخالفين ، فيحصل في بعض بالقتل ، وفي بعض بالجزية ، وفي بعض بالمعاهدة . خامسها : أن يكون المراد بالقتال هو ، أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها . سادسها : أن يقال الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب ، فكأنه قال : حتى يسلموا أو يلتزموا بما يؤديهم إلى الإسلام ، وهذا أحسن ، ويأتي فيه ما في الثالث وهو آخر الأجوبة . والله تعالى أعلم ( فتح الباري ) : 1 / 102 - 105 ، كتاب الإيمان باب ( 17 ) ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) ، حديث رقم ( 25 ) .