المقريزي
120
إمتاع الأسماع
يقل : كنت إنسانا ، ولا كنت موجودا ، أو ليست النبوة إلا بالشرع المقدر عليه من عند الله تعالى ؟ فأخبر سبحانه وتعالى أنه عليه السلام صاحب النبوة قبل وجوده في الأنبياء في الدنيا وهو روح قبل اتخاذه تعالى الأجسام الإنسانية ، فكانت الأنبياء عليهم السلام في هذا العالم نواب محمد صلى الله عليه وسلم من آدم إلى عيسى عليهما السلام ، والى هذا الإشارة بقوله عليه السلام : لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ، وكذلك لو كان محمد صلى الله عليه وسلم موجودا بجسمه من لدن آدم عليه السلام إلى زمان وجوده ، لكان جميع بني آدم تحت شريعته ، ولهذا لم يبعث بشريعة عامة إلا هو صلى الله عليه وسلم ، فإنه الملك والسيد ، وكل رسول إنما بعث إلى قوم مخصوصين ، ولم تعم ، فمن زمن آدم إلى زمن بعثة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى يوم القيامة ملكه ، وله يوم القيامة التقدم أيضا على جميع الرسل مع السيادة ، فكانت روحانيته صلى الله عليه وسلم روحانية كل رسول موجودة ، والإمداد يأتي إليهم من روحه الطاهرة بما يظهر منهم من الشرائع والعلوم في زمن وجودهم رسلا ، وكان تشريعهم الشرائع كما كان علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم يقضون في زمان وجود جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما يكون عيسى عليه السلام حين ينزل آخر الزمان بشرع محمد صلى الله عليه وسلم ، لكن لما لم يوجد صلى الله عليه وسلم في الحس نسب كل شرع إلى من بعث به ، وهو في الحقيقة شرع محمد صلى الله عليه وسلم وأن كان مفقود العين ، كما يكون صلى الله عليه وسلم مفقود العين في زمان نزول عيسى وحكمه بالشرع المحمدي ، وكون محمد صلى الله عليه وسلم نسخ الله بشرعه جميع الشرائع ، لا يخرجها النسخ عن أن تكون من شرعه ، فإن الله تعالى قد أشهدنا في القرآن والسنة النسخ مع إجماعنا واتفاقنا على أنه شرعه ، فنسخ بالمتأخر ، فكان هذا النسخ الموجود في القرآن والسنة المحمدية تنبيها لنا على أن نسخه لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونها شرعا له ، وكان نزول عيسى آخر الزمان حاكما بغير شرعه الذي كان عليه في زمان رسالته ، وحكمه بشرع محمد صلى الله عليه وسلم أدل دليل على أنه لا حكم لأحد من الأنبياء مع وجود محمد صلى الله عليه وسلم أو وجود ما قرره من الحكم ، فخرج من هذا كله أن محمدا صلى الله عليه وسلم ملك وسيد على جميع بني آدم ، وأن جميع من تقدمه كان ملكا له ، والحاكمون فيه كانوا نوابا عنه ، فإن قلت : قال الله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم . . .