المقريزي
100
إمتاع الأسماع
والنسائي ( 1 ) من حديث سويد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب فمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءا ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه معاني دين الله ونفعه بما بعثني به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به . اللفظ لمسلم ، ذكره في كتاب المناقب ، وذكره البخاري في كتاب العلم وقال فيه : كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء ، وقال فيه : فشربوا وسقوا وزرعوا ، وقال فيه : ونفعه بما بعثني الله ، وقال بعده : قال إسحاق : وكان منها طائفة قبلت الماء قاع يعلوه الماء .
--> ( 1 ) لم أجده في ( النسائي ) بهذه السياقة ، لكن أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي موسى الأشعري ، ضمن حديث طويل أوله : عبد الله حدثني أبي ، حدثني عبد الله بن محمد - وسمعته أنا من عبد الله بن محمد - حدثنا أبو أسامة ، عن بريد بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : " ولد لي غلام ، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم ، فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة ، وقال : احترق بيت بالمدينة على أهله ، فحدث النبي صلى الله عليه وسلم بشأنهم فقال : إنما هذه النار عدو لكم ، فإذا نمتم فأطفؤوها عنكم ، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال : بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مثل ما بعثني الله عز وجل به من الهدى والعلم . . . " وساق الحديث بنحو سياقه البخاري ومسلم . ( مسند أحمد ) : 5 / 544 ، حديث رقم ( 19076 ) . قال القرطبي وغيره : ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدين ، مثلا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه ، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم ، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت ، فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت ، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث ، فمنهم العالم العامل المعلم ، فهو بمنزلة الأرض الطيبة ، شربت فانتفعت في نفسها ، وأنبتت فنفعت غيرها . ومنهم الجامع للعلم ، المستغرق لزمانه فيه ، غير أنه لم يعمل بنوافله ، أو لم يتفقه فيما جمع ، لكنه أداه لغيره ، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع به الناس . ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ، ولا يعمل به ، ولا ينقله لغيره ، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها . وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المجودتين ، لاشتراكهما في الانتفاع بهما ، وأفراد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها . ( الأمثال في الحديث النبوي ) : 378 - 379 ، حديث رقم ( 326 ) والتعليق عليه .