الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

90

محجة العلماء في الأدلة العقلية

المراد منه قد يكون قطعيّة ولو بضم أمور خارجيّة وكثير امّا تكون ظنيّة إذ مدار الافهام في كلّ لغة انما هو القاء الحقائق مجرّدة عن القرينة والقاء المجازات معها فيبنى العقلاء المخاطبون الاعتقاد والعمل على ما يفهمونه وان كان احتمال التجوز في الأول وخفاء القرينة واشتباهها على المخاطب في الثّانى باقيا لأنه لا يبعد في ان ينصب متكلّم قرينة لإرادة معنى مجازى « 1 » آخر لكون القرينة مناسبة للمعنيين والذي يكشف عمّا قلناه انا لو فرضنا كون صيغة الامر للوجوب لغة فامر لغوى عبده فأبطأ عن المسارعة إلى الامتثال معتذرا باحتمال التجوز لذمّه العقلاء وكذا يذمون المولى لو عذّب العبد لأنه سارع إلى الامتثال بعد فراغ المولى عن التكلم ولم يصبر حتى يظهر عليه القرينة ولو بعد حين فان قلت تأخير القرينة عن وقت الخطاب جائز على المشهور وعن وقت الحاجة أيضا كذلك ان كان لاحد مصلحة داعية إلى التأخير راجحة عند العقل والشرع على العمل بخلاف ما أريد من الكلام مثلا لو فرضنا ان أحدا قال لعبده أكرم كلّ من دخل دارى غدا وهو يريد غير زيد فاخر البيان إلى الغد فلمّا حضر زيد أيضا وكان المولى خائفا من زيد على نفسه أو على العبد فترك البيان فأكرم العبد زيدا أيضا فلا ريب في رجحان مصلحة التقيّة والاتقاء على ترك اكرام زيد فكيف يسوغ العقلاء الذم إذا أبطأ العبد معتذرا بهذا الاحتمال الواقع في المحاورات وكذا كيف يجوز ذم المولى على العقاب مع مسارعة العبد إلى الامتثال إذ قال المولى ألم تصبر حتى يظهر لك جليّة الحال قلت ما ذكرت نادر لا سيّما الأخير ولا عبرة بمثله عند العقلاء فلهذا لا يتسارعون إلى الذّم مع قيام هذا الاحتمال عندهم الثّانية هي ان المتشابه كما يكون في أصل اللّغة كالاشتراك اللّفظى يكون بحسب الاصطلاح مثلا ان يقول أحد انّى استعمل العمومات كثيرا وانا أريد الخصوص من غير ضمّ قرينة متّصلة واطلق المطلقات وانما أريد المقيدات وربما احكم حكما يدل ظاهره على الاستمرار ولكنني سأنسخه وربما أخاطب أحدا وانا أريد غيره أو اخصّص قوما بالخطاب وانا أريد معهم غيرهم أو نرى أمثال ذلك في كلامه وان لم يصرّح هو به مع علمنا بعدم غفلته ومسامحته فحينئذ لا يجوز لنا القطع بمراده ولا يحصل لنا الظنّ به اللّهمّ الّا ان يكون العام الباقي على عمومه والمطلق الباقي على اطلاقه كثيرا بالنسبة إلى المخصوص والمقيّد وكذا غيرهما والقرآن من هذا القبيل لأنه وان كان عربيا ولكنّه نزل على اصطلاح خاص لا أقول على وضع خاص جديد بل اعمّ من أن يكون كذلك أو يكون فيه مجازات لم يعرفها المعرب ومع ذلك قد وجدت فيه كلمات لا يعلم المراد منه أصلا كالمقطعات في أوائل السّور ثمّ ان الله تبارك وتعالى لم يدع المكلفين حتّى انزل إلى رسوله قوله ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) الآية فذمّهم على اتباعهم المتشابه ولم يبيّن لهم المتشابهات ما هي وكم هي بل لم يبيّن لهم المراد من هذه اللّفظة وجعل البيان موكولا إلى خلفائه والنّبى صلى الله عليه وآله وسلم نهى الناس عن التفسير بالآراء وكذا أوصيائه عليهم السّلام وكذا جعلوا لنا الأصل عدم العمل بالظن الّا ما اخرجه الدّليل إذا تمهّدت هاتان المقدّمتان فنقول مقتضى المقدّمة الأولى هو العمل بالظواهر ومقتضى الثانية عدم العمل لان ما صار متشابها لا يحصل الظنّ بالمراد منه وما بقي على ظاهره وحصل منه مندرج في الأصل المذكور فنطالب العامل به بدليل جواز العمل به لان الأصل الثابت عند الخاصة هو عدم جواز العمل بالظن الّا ما اخرجه الدّليل مثل عمل أصحاب النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلم والأئمة

--> ( 1 ) فيصرفه المخاطب إلى معنى مجازى