الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

45

محجة العلماء في الأدلة العقلية

جميع ذلك من مصالح الدّين فإذا لم يصحّ ذلك في بعضه لم يصحّ في سائره قيل له انه ما كان يمتنع ان يتعبّد بقبول خبر الواحد في أصول الدّين كما تعبّدنا الآن لقبوله في فروعه وان كان ولا بدّ من قيام الحجّة ببعض الشّرائع فامّا اثبات القرآن فإن كان ما يرد على مثل القرآن وعلى صفته في الاعجاز صحّ ان يتعبّد به لانّ كونه على هذه الصّفة يوجب العلم وان كان ما يرد لا يكون بصفة القرآن من الاعجاز فانّه لا يمتنع أيضا ورود العبادة بالعمل به من غير قطع على أنه قران مثل ما قلناه في الخبر الواحد وكذلك ما كان يمتنع ان يتعبّد بتخصيص عموم القرآن ونسخه بخبر الواحد وان كان لم يقع ذلك أصلا لان الكلام في ما يجوز من ذلك وما لا يجوز فليس لأحد ان يقول أوجبوا العمل به كما اجزتموه لان ايجاب العمل يحتاج إلى دليل منفصل من دليل الجواز انتهى وانما نقلناه بطوله لان فيه مواضع تشهد على ما حققناه وقال بعض من قارب عصرنا التعبّد بالخبر الواحد المجرّد عن القرائن المنفصلة جائز عقلا خلافا لابن قبة قده وجماعة من علماء الكلام والجبائي من العامة لنا القطع بان الشارع لو قال إذا أخبرك شخص بشيء عنّى ما لم يخالف صريح العقل فاعمل بموجبه وعرضناه على عقولنا لم نحكم بلزوم محال أو قبيح منه لذاته أو لغيره انتهى وقد سلك الفاضل القمّى قدس سرّه هذا الملك حيث قال والحق انه يجوز التعبّد به عقلا اى لا يلزم من تجويز العمل به محال أو قبيح بلا خلاف من أصحابنا الّا ما نقل عن ابن قبة قدّس سرّه انتهى ولقد اغرب صاحب الفصول قده حيث خفى عليه محلّ النزاع فزعم أن الفاضل القمّى قده اختصّ بهذا التقرير فأنكر الامكان الذي اتفق عليه أصحابنا قديما وحديثا بل المحقّقون من مخالفينا أيضا فقال ان التحقيق ان القائلين بالجواز ان أرادوا به الجواز بمعنى عدم حكم العقل فيه بالامتناع والقبح الواقعيّين كما يظهر من احتجاجهم عليه بالضّرورة فالحق هو الجواز والمستند ما ذكروه وان أرادوا به الجواز الواقعي بمعنى ان العقل يحكم بأنه لا قبح في العمل به واقعا وانه لا يمتنع منه عقلا بمقتضى الحكمة ان يكلّفنا بالعمل به كما يظهر من بعض المعاصرين فالحقّ بطلان القول بالجواز كالقول بالامتناع إذ ليس العمل بالخبر الواحد ممّا يدرك العقل جهاته الواقعيّة حتى يحكم فيه بجواز أو امتناع وان أرادوا به الجواز الظاهري بمعنى عدم القبح ما لم ينكشف الخلاف فان اعتبر مطلقا فالحقّ خلافه لان العقل لا يستقل بجواز الاعتماد على خبر الآحاد في معرفة الاحكام ولو مع التمكّن من العلم ولو خصّ بصورة الانسداد فلا ريب في ثبوت الجواز لكن يبعد جدّا التزام المانع بالمنع فيها بل ظاهر كلامه ينصرف إلى غيرها إذ لزوم التكليف بالمحال على تقديره جليّ والذي ينبغي للمانع حينئذ ان يحيل الفرض المذكور لا ان يمنع عن حجيّة خبر الواحد على تقديره انتهى ولا يخفى ما فيه فان عدم إحاطة العقل بجهات هذه المسألة امّا لقصور فيه يمنع عن احاطته بجهات المسائل مطلقا وامّا لغموض في هذه المسألة وكونها من الاسرار الّتى يستحيل إحاطة العقل بجهاته اما الأول فواضح الفساد فإنه يستلزم عدم استقلال العقل بحكم من الاحكام النظريّة في الأصول والفروع وساير الفنون وكلامه لا يحتمل هذا المعنى بل هو صريح في الثّانى حيث خصّ العمل