الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

262

محجة العلماء في الأدلة العقلية

القرآن ولا بد عبارة عن التحذير عن المعاد حتى أنه صار عبارة أخرى في القرآن عن النبوة قال تعالى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ * وقال تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ إلى غير هذه من الآيات فانذار غير النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلّم عبارة عن قيامه مقامه وخلافته عنه صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال العلماء ورثة الأنبياء وقال صلى اللّه عليه وآله وسلّم اللهمّ ارحم خلفائي قيل من خلفاءك قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذين يأتون بعدى ويروون سنتي واحاديثى من حفظ على أمتي أربعين حديث ابعثه اللّه فقيها قد تقدّمت وجعل الحذر أيضا غاية للانذار دليل على انّ المقصود تبليغ الدّعوة على وجه يحصل العلم للنّاس بثبوت المعاد فالحذر هنا كالخشية في قوله تعالى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى فالمعنى بحسب القواعد اللفظيّة الحث على حضور النّاس عند النّبى صلى اللّه عليه وآله وسلّم للاطلاع على ما جاء به والتوسط في التبليغ إلى من لم يحضر ولم يطلع والجهاد أيضا من انحاء التّبليغ والترويج فانّ القتال انما هو لقهر النّاس الجاحدين والمارقين على التدين بالدين فإذا نفر الناس من البلاد النّائية كان الجهاد مع الكفار أيضا ثمرة أخرى للنفر والاجتماع عنده صلى اللّه عليه وآله وسلّم ولعل هذا وجه المناسبة مع آيات الجهاد واللّه تعالى اعلم بمعنى كلامه فالانذار عبارة عن التخريف وايجاد سبب الخوف ليس بمجرّد الاخبار بل انما هو بإقامة البيّنة المفيدة للعلم كما أن المخبر به أيضا لا بد ان يكون ممّا يخاف منه ويحذر عنه لا مثل الاحكام الفرعيّة فالتمسك بوجوب الانذار المتفقه في الدّين على حجيّة الخبر من أعجب الأمور حيث إن كلمة لولا تدلّ على أن الحكم ارشاد وموعظة لا تأسيس وليس الّا لان ترويج الدّين وارشاد الضالين ممّا يستقل به العقل ضرورة ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم يستحيل ان يكون مباشر الانذار جميع النّاس فلا معنى للدّين العام لجميع المكلّفين الالزام جماعة من كلّ فرقة بالتوسّط في التبليغ مع أن الانذار لا يصدق على الاخبار بالفروع خصوصا في الوضعيات والمستحبّات والمكروهات والتفقه ممّا لا يتوقف عليه تحمل الرّواية وانما يتوقف عليه التمكّن من ارشاد الجاهل وهداية الضال وأعجب منه التمسّك باطلاقه وعدم اعتبار إفادة خبرهم العلم ضرورة ان نفس الانذار لا يتحقق الّا بإفادة العلم أو الاحتمال الّذى لا يندفع بأصل كقبح العقاب بلا بيان الذي لا يدفع الخوف في احتمال ضرر دنيوي وأقبح من هذا ما نسجته العامّة أيضا من أن لفظ لعلّ بعد انسلاخه عن معنى التّرجى ظاهر في كون مدخوله محبوبا للمتكلّم ولا معنى لندب الحذر فثبت وجوبه فان هذه اللّفظة ليست موضوعة الّا للدلالة على أن ما بعدها محتمل الوقوع اما للشك والجهل وامّا لكونه على وجوه مختلفة لا يمكن الحكم فيه بالوقوع على الاطلاق وامّا خصوص الترجى فلا قال لا تهين الفقير علّك ان * تركع يوما والدهر قد رفعه وحيث إن الانذار ليس علّة تامّة للحذر فلا بدّ ان تذكر الغاية بعد كلمة لعلّ فلا دلالة الّا على أن الانذار انما هو لحصول هذه الغاية وهو اهتداء الناس المحتمل ترتّبه على التّبليغ واما الاستدلال بوجوب الاخبار على تقدير الثبوت على التعبّد بالقبول فهو أوضح فسادا فإنه يمكن ان يحصل به منفردا أو مع انضمام الوثوق والعلم فهذا هو المنشأ للوجوب كما أن وجوب أداء الشهادة لا يستلزم كون شهادة العدل الواحد علّة تامّة للحجيّة بل شهادة العدلين أيضا قد ترد بالجرح وبالمعارضة مع المساوى والأقوى وفي المقام كلمات لا تصلح لان نتعرض لها بالابطال لوضوح فسادها ومن الآيات قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ