الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

259

محجة العلماء في الأدلة العقلية

وقع أيضا بل سيظهر ان له تعالى غاية الاعتناء ببيان هذا المعنى فهذا مجمل الكلام في شان النزول وامّا المفردات فنقول انه تعالى اختار كلمة ان من بين أدوات الشرط للتنبيه على انّ مثل هذه الواقعة مما يمكن وقوعه فهو كسائر الممكنات لا انه مجرد فرض وتقدير واختار مادة المجىء على الاتيان والمرور والوفور والنزول وغيرهما ممّا يصدق على المقام تنبيها على ما هو المأخوذ في هذه المادّة بحسب الأصل من القصد إلى الانتقال إلى مكان وفي التعدية إلى الضمير تنبيه على التعمّد في تحمّل البناء إليهم ففي الجمع بين هذه المادة وبين التّعدية إلى الضمير الراجع إلى الصّحابة رعاية للجهتين فان تعلّق المجيء بهم انما هو باعتبار تحمّل البناء كما هو مقتضى تحمّل الظرف واختيار الماضي للتنبيه على أن الملحوظ في المقام التحقق على وجه الحدوث كما هو معنى هذه الهيئة على ما هو التحقيق لا ما زعموه من اعتبار زمان الماضي وأقام قوله جاءكم بنبأ مقام أنبئكم للتنبيه على أن الملحوظ انما هو خصوص ما وقع من امر الوليد فإنه جاءهم بنبأ لا انه أنبأهم وهو معهم أو على بعده عنهم وفي اختيار مادة النّبأ « 1 » فان الانباء ملحوظة فيه إرادة ادخال المضمون في ذهن شخص وحيث إنه أعم من الهداية والاضلال والحكم ثابت للعام اختاره على الارشاد والهداية والاضلال والاغواء وما يقاربها ممّا اخذ فيه أيضا ادخال المعنى في الذهن مع أن القصد ليس مأخوذا في مادة الهداية والاغواء بخلاف الانباء والانصراف بمقتضى ظاهر الاسناد في بعض المقامات لا يبلغ مبلغ الاعتبار في المادة ففي اختيار هذه المادة زيادة مبالغة في ان الوليد تعمّدوهم بحمل القوم على قتال هؤلاء وفي جعل الفاسق فاعلا أيضا دلالة على أن المقصود انما هو الارشاد في الواقعة الخاصّة لا بيان حكم الطبيعة فذكر خصوصيّة الفاعل واختيار هذه الخصوصيّة لدخلها في الحكم وهو عدم الاعتداد بخبره كما أن اعتبار التحقق على وجه الحدوث المدلول عليه بالهيئة أيضا انما هو للتنبيه على هذا المعنى والّا لوجب ان يقول بناء الفاسق لا يعتدّ به بل في كل من كلمة يا واى وهاء التنبيه والّذين واختيار المعنى في الايمان واختيار الايمان في توجيه الخطاب دلالة واضحة على أن الغرض انما هو الوعظ في خصوص هذه الواقعة وزجر المؤمنين عمّا عزموا عليه من قتال بنى المصطلق ودعائهم الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم إلى ذلك اغترارا بقول ذلك المنافق بل في العدول عن بيان اعتبار خبر العدل إلى سقوط قول الفاسق عن الاعتبار أيضا دلالة واضحة على أن المقصود انما هو الوعظ في خصوص ما ابتلى به المؤمنون من جهة انباء ذلك المنافق بل في تنكير الفاسق أيضا دلالة على أن النظر مقصور على الشخص وكذا تنكير النّبأ فان التنوين وان جاز ان يكون للتمكن الّا ان العدول عن لام التعريف المناسب لتعلق الحكم بالطبيعة المؤكد له إلى التنكير والالتزام به في جميع الفقرات التي منها لفظ الجهالة دليل على أن متعلق الحكم انما هو الفرد لا الطّبيعة من حيث هي وقوله تعالى فَتَبَيَّنُوا أو فتثبّتوا على اختلاف القراءتين عبارة عن سقوط نبأ الفاسق عن الاعتبار اما على القراءة الأولى فان وجوب تحصيل البيان عند اخباره ليس تكليفا بالضرورة وانما هو ارشاد إلى عدم حصول ما هو المقصود في الكلام من الإفادة والكشف عن الواقع من خبر الفاسق بل الواقع يبقى على ما كان عليه من الاستتار لأنه ليس صالحا الّا للكشف عمّا في ضمير المتكلم ولا ربط بين ما اضمره الفاسق في مرحلة الإفادة وبين الواقع لعدم تحرّزه عن الكذب فلا مناص عن تحصيل البيان الذي هو المناط في جميع

--> ( 1 ) وعلى الخبر والقضية وان المخبر قصد باخبار كما يظهر