الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

232

محجة العلماء في الأدلة العقلية

خلاف ما استقرت عليه طريقة الاماميّة إلى زمان الغيبة فان الاخبارى لا معنى له في كلامهم الّا من لم يعوّل في الاحكام ولم يدون في كتابه سوى الاخبار والأصولي من حرّر الأصول مع قطع النظر عن الاخبار ومن المعلوم ان أحدا من الاماميّة لم يسلك هذا المسلك قبل الإسكافي والعماني اللذين عاصرا الكليني قدس اللّه اسرارهم ثم شيد المفيد قده أركان الأصول وبعده علم الهدى وشيخ الطائفة قده لكنه بالغ فيه فان علم الهدى قدس سرّه شغله عن ذلك ما هو الأهم منه من امر الإمامة وبالجملة جميع من تقدم على القديمين قدهما اخبارية فإنهم كانوا معتقدين بامامة الائمّة عليهم السّلام فاستغنوا بهم عمّا سواهم فبين من يقتبس من أنوارهم بلا واسطة وبين من يعتمد على من أمروا بالرجوع اليه والاعتماد عليه وبين من يرجع إلى أصل أمروا بالرجوع اليه أو عرض عليهم سلام اللّه عليهم ومن المعلوم انه لا حاجة حينئذ إلى هذا التّعب الشديد لسهولة الاطلاع على جميع الأمور واما المخالفون فاستغنوا عنهم واستقلوا بآرائهم واحتاجوا إلى وضع قوانين للاستنباط ودفع الشكوك والشبهات ووضع اصطلاحات ولمّا شابهت الطّائفة المحقّة أهل الخلاف لانسداد ذلك الباب بغيبة الحجة عليه السّلام شاركوهم فيما كانوا عليه من الاهتمام بتنقيح الأصول والمباني لا لاندراس تلك الآثار وخفاء القرائن فالاخبار بعادى الأيام واهتمام أصحاب الأئمة عليهم السلام وان ازدادت ظهورا من حيث الصّدور الا ان هذا المقدار لا يكفى للعلم بالحكم بالضرورة والشبهات الحادثة لا ترتفع الّا بالنظر في القواعد وتنقيحها فكون هؤلاء « 1 » الذين هم أركان الذين وامناء رب العالمين وأوتاد الأرض والذين لولا هم لاندرست آثار النبوّة والّذين إذا أراد الله باهل الأرض سوءا صرف بهم عنهم السوء وبهم يكشف اللّه كل بدعة ينفون عن هذا الدّين انتحال المبطلين وتأويل الغالين اخبارية وأهل الحديث ومحدثين معناه تمكنهم من تحصيل العلم بأقوال المعصومين عليهم السّلام بكل ما أرادوا ان يعلموا به بلا واسطة أو بواسطة يحصل منها الوثوق من جهة كون الراوي سديدا في النقل أو الاحتفاف خصوص روايته خاصة بما يفيد الاطمينان وهذا المعنى غير ما ابتدعه بعض من « 2 » لا بضاعة له في هذه الأزمان فزعموا أن من نشئوا من زمان الغيبة الصّغرى كالقديمين والمفيد ومن بعدهم خصوصا آية اللّه العلامة ومن تبعه كالشهيد والمحقق الثّانى ونظرائهم سلكوا مسلك العامة واعرضوا عما استقرت عليه طريقة الامامية في سالف الزمان وتواترت الاخبار عن أئمتهم عليهم السّلام بان يسلكوه فلا فرق بينهم وبين المخالفين لاستعجال بعضهم وعدم بضاعة آخرين وغلبة الهوى وحب الرّئاسة بل كون علماء العرب بالجبلة من أهل البدع والأهواء وهذه الخرافات انما نشأت من الجهل والغرور ان لم يكن منشؤها خبث السّريرة وحب الاشتهار بمقابلة الأساطين والفحول أركان الدّين وامناء رب العالمين المفضل مدارهم على دماء الشهداء بل الذين رجّحهم اللّه على أنبياء بني إسرائيل فان من اظهر مصاديق هذه المفاهيم آية اللّه في العالمين الذي به صان اللّه هذا الدين وكشف الغطاء عما جاء به خاتم النبيّين صلى اللّه عليه وآله وسلّم ومحصل ما عندهم ان الاجتهاد والعمل بالاخبار الآحاد والاجماع والقياس والتفسير بالرأي والأدلة العقلية من الاستصحاب وأصل البراءة في احكام اللّه والملازمات ممّا اختصت به العامة وابتدعوها في قبال أهل البيت عليهم السّلام ولم يسلك من أصحابهم هذا المسلك أحد إلى زمان الغيبة وأول من سلك مسلكهم من أصحابنا ابن الجنيد فعمل بالقياس ثم المفيد قده لشدة اعتنائه وتمجيده إياه عند أصحابه صار سببا لرغبة تلاميذه إلى طريقته في الجملة

--> ( 1 ) قوله الذين هم أركان الدين الخ قال الصادق عليه السلام أقوام كان أبى يأتمنهم على حلال اللّه وحرامه وكانوا عيبة علمه وكذلك اليوم هم عندي هم مستودع سرى وأصحاب أبى ( ع ) حقّا إذا أراد الله بأهل الأرض سوءا يصرف بهم عنهم السوء هم نجوم شيعتي أحياء وأمواتا يحيون ذكر أبى ( ع ) بهم يكشف الله كل بدعة ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين إلى أن قال صلوات اللّه عليهم أحياء وأمواتا بريد عجلى وزرارة وأبو بصير ومحمّد بن مسلم قال ع بشّر المخبتين بالجنّة بريد بن معاوية العجلي وأبو بصير ليث بن البختري المرادي ومحمّد بن مسلم وزرارة أربعة نجباء أمناء اللّه على حلاله وحرامه لولا هؤلاء انقطعت آثار النّبوة واندرست وأمثال هذه الكلمات منهم ( ع ) في حق كثير من الرواة كثير لا يخفى على المتتبع منه دام ظله العالي ( 2 ) المراد به محمّد امين الأسترآبادي تجاوز اللّه عن سيئاته منه دام ظله العالي