الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
226
محجة العلماء في الأدلة العقلية
من التحقيق وانصف من نفسه فبين ان السّلف لم يعتمدوا الّا على العلم حيث كانوا متمكنين منه ولكنا لا مناص لنا عن الركون إلى الظنون وهذا هو الذي ألجأنا إلى تقسيم الاخبار إلى اقسامها المعروفة والّا فالامر يدور مدار العلم ولا حاجة حينئذ إلى ملاحظة حال الرّاوى واستكشاف عقيدته وملكاته وافعاله كما هو طريقة السّلف وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله اللّه تعالى في تقسيم الخبر عند الإمامية والذي ينكشف به مذهب الاماميّة وطريقتهم إلى زمان جمال الحق والدّين نور اللّه ضريحه انه لا اشكال في ان تقسيم الخبر إلى الأقسام الأربعة مما كان مشهورا بين المخالفين فالصّحيح عندهم ما كان راويه مستجمعا لما اعتبروه من الشرائط من سلامة العقيدة والعدالة وغيرها ممّا سيأتي إن شاء الله اللّه تعالى واما الاماميّة فلم يكن الصحيح عندهم الّا ما يفيد الاطمينان فلم يكونوا يعولون الّا على الصّحيح بهذا المعنى ولهذا فلم يكن لهم غرض متعلق بهذا التقسيم فاعرضوا عنه جميعا وبهذا تميزوا من المخالفين فان الصحيح عندهم تعبّدا ما كان مستجمعا لما ابتدعوه من الشرائط وان لم يفد الظنّ فضلا عن العلم وهذا المعنى ممّا لم يخالف فيه أحد شهد به الثقاة بل الأساطين من علمائنا قدس اللّه اسرارهم قال في المنتقى اصطلح المتأخرون من أصحابنا على تقسيم الخبر باعتبار اختلاف أحوال رواته إلى الأقسام الأربعة المشهورة وقال في موضع آخر منه القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعا لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صدق الخبر وان اشتمل طريقه على ضعف كما أشرنا اليه سابقا فلم يكن للصحيح كثير مزيّة توجب له التميز باصطلاح أو غيره فلما اندرست تلك الآثار واستقلت الأسانيد بالاخبار اضطر المتأخرون إلى تميّز الخالي من الريب وتعيين البعيد عن الشك فاصطلحوا على ما قدّمنا بيانه ولا يكاد يعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمان العلّامة الا من السيّد جمال الدين بن طاوس وإذا أطلقت الصحّة في كلام من تقدم فمرادهم منها الثبوت والصدق انتهى فلا ريب بمقتضى ما اخبر به من أن الصحيح بهذا المعنى امر حدث عند أصحابنا من زمان العلامة وشيخه ابن طاوس وان من سلف منهم لم يحكموا بصحة ما حكموا بصحته وانما كانوا يحكمون بصحّة ما يفيد الاطمينان من اىّ طريق كان وان باب العلم كان منفتحا في ذلك الزمان هذا ما اخبر به عن حسّ ولا يحتمل فيه الغلط واما ما جعله وجها لذلك من عدم الحاجة فان أراد ان الصّحيح باصطلاح المتأخرين كان حجة الّا ان هم استغنوا عنه بالعلم فواضح الفساد وان أراد اختصاص هذه الأزمنة بحجيّته للانسداد فسيظهر فساده إن شاء الله اللّه تعالى بما لا مزيد عليه اما وضوح فساد الأول فلان ما كان مجعولا في عرض العلم وفي زمان الانفتاح لا وجه للاعراض عنه والالتزام بتحصيل العلم ألا ترى ان الظهور اللّفظى الّذى ليس اعتباره منوطا بالانسداد لم يتأمل في التعويل عليه أحد وان كان متمكنا من تحصيل العلم مع أنه ليس ظنّا في الحقيقة أيضا بل انما هو أصل على ما بيناه في مواضع عديدة فالوجه في عدم تعرّض الطّائفة للخبر العدل وضبط حدوده انما هو ما عرفت من أن العمل به كالعمل بالقياس وان الاعراض عنه كالاعراض عن القياس شعار لهم حتى أن المخالفين لا يخفى عليهم ذلك كما عرفت من تصريح الحذاق والأساطين بل اعترف شيخ الطائفة قده بذلك في مواضع من العدّة والحاصل ان الفاضل الذي يرى العمل بالآحاد لأجل الانسداد شهد بأنه إذا أطلقت الصحة في كلام من تقدم فمرادهم منها الثبوت والصدق ومن المعلوم ان الثبوت ليس الّا العلم وهذا معنى قوله والصدق يعنى ان الصحة عبارة عن الصدق الواقعي فالصّحة عند الشخص عبارة عن ثبوت صدق الكلام من اى طريق كان وما لم يعلم فيه ذلك فلا يعلم صحّته